[ 38 ] يحدث عن ذلك الاعتقاد ارادة التوجه الى الله تعالى والفرار والبعد عما سواه، فمهما بقى الانسان كذلك سمى مريدا، ثم إذا توغل في السلوك وبلغت به الارادة والرياضة حدا ما (1) ظهرت عليه انوار الهية لذيذة تشبه البرق اللامع المختفى ويسميها اهل الطريقة بالاوقات وكل واحد منها محفوف بوجدين، وجد إليه وهو الشوق المتقدم عليه، ووجد عليه وهو التأسف على فواته وهو متأخر عنه، لان مفارقة تلك المعارفة (2) بعد حصولها يوجب حنينا وانينا شوقا (3) الى ما فات، واليه اشار صاحب الوجد في قوله: شعر: * إذا ما سقاني شربة من رضا به * ظمئت الى ذاك المدام فلم اروى (4) وقول الاخر (5): فابكى ان نأوا شوقا إليهم * وأبكى ان دنوا خوف الفراق ثم ان هذه اللوامع تكون في مبدء الامر قليلة ثم لا تزال تكثر بحسب الامعان في الرياضة والتوغل فيها وتزداد وتتفاوت ازمانها بحسب زيادة قوة استعداد النفس لها حتى تصير تلك الاحوال ملكات فيظهر عليها في غير حال الارتياض وفى هذه الاحوال ربما عرضت له تلك الغواشى وهو غافل عنها فتستفزه عن مجلسه (6) وتوجب له الهرب والقلق (7) والاضطراب دفعة وذلك لكون النفس غير متأهبة لتلقيه كما نقل عن سيد المرسلين في مبدء الوحى انه كان يضطرب ويقول: زملوني زملوني، وكما اشير إليه في الكتاب العزيز ________________________________________ (1) - مأخوذ من الشفاء (من النمط التاسع) ونص عبارته: " اشارة ثم انه إذا بلغت به الارادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه وهو المسمى عندهم اوقاتا، وكل وقت يكتنفه وجدان، وجد إليه ووجد عليه، ثم انه ليكثر عليه هذه الغواشي إذا امعن في الارتياض، ثم انه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلما لمح شيئا عاج منه الى جناب القدس يتذكر من امره امرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شئ " وله ذيل في اشاراته الاتية فمن اراده فليطلبه من هناك. (2) - ا: " العارفة " ج د: " المعارف ". (3) - ب ج د: " تشوقا ". (4) - كذا في النسخ. (5) - هاتان الكلمتان والبيت الاتى لم يذكر شئ منها في نسخة ا. (6) - ج: " محله ". (7) - ج: " والقلقة ". ________________________________________
