[ 51 ] عرفت ذلك فنقول: لما كان فرح العارف ببهجة الحق اتم واعظم من فرح من عداه بما عداها وكانت الغواشى التى تغشاة وتحركة اعتزازا بالحق أو حمية ربانية اعظم مما يعرض لغيره لاجرم كان اقتداره على حركة غير مقدورة لغيره ممكنا وسنبين وقوعه ان شاء الله تعالى، واما السبب في الامور الباقية على الاصول السابقة هو انك علمت ان تعلق النفس بالبدن ليس بانطباعها فيه انما هو على وجه انها مدبرة له مع تجردها (1) ثم ان الهيئات النفسانية قد تكون مبادئ لحدوث الحوادث وبيانه اما اولا فلانك تشاهد انسانا يمشى على جذع ممدود على الارض ويتصرف عليه كيف يشاء (2) ولو عرض ذلك الجذع بعينه على جدار عال أو موضع عال لوجدته عند المشي عليه راجفا متزلزلا يوعده (3) وهمه بالسقوط مرة بعد اخرى لتصوره وانفعال بدنه عن وهمه حتى ربما سقط. واما ثانيا فلان الامزجة تتغير عن العوارض النفسانية كثيرا كالغضب وكالحزن والخوف والفرح وغير ذلك وهو ضروري. واما ثالثا فلان توهم المرض أو الصحة قد يوجب ذلك وهو ايضا ضروري، إذا عرفت هذا فنقول: ان الامزجة قابلة لهذه الانفعالات عن هذه الافعال النفسانية فلا مانع إذا ان يكون لبعض النفوس خاصية لاجلها يتمكن من التصرف في عنصر هذا العالم بحيث تكون نسبتها الى كلية العناصر كنسبة انفسنا الى ابدانها (4) فيكون لها حينئذ تأثير في اعدادات المواد العنصرية لان يفاض عليها صور الامور الغربية التى تخرج عن وسع مثلها فإذا انضمت الى ذلك الرياضات فانكسرت سورة الشهوة والغضب وبقيا (5) اسيرين في يد القوة العاقلة فلاشك انها حينئذ تكون اقوى على تلك الافعال ________________________________________ (1) - مأخوذ من كلام ابن سيناء في اواخر النمط العاشر من الاشارات ونص عبارتة: " تذكرة وتنبيه - اليس قد بان لك ان النفس الناطقة ليست علاقتها مع البدن علاقة انطباع بل ضربا من علائق اخر، وعلمت ان هيئة تمكن العقد منها وما يتبعه قد يتأدى الى بدنها مع مباينتها له بالجوهر حتى ان وهم الماشي على جذع معروض فوق فضاء يفعل في ازلاقه مالا يفعله وهم مثله والجذع عل قرار (الى اخر ما قال) ". (2) - ب ج: " شاء ". (3) - في النسخ: " يواعده ". (4) - في شرح نهج البلاغة للشارح (ره): " ابداننا ". (5) - في شرح نهج البلاغة: " وبقيتا اسيرتين ". ________________________________________
