[ 58 ] اقدام العقول وغايتها الغرق في لجة ذلك الوصول. فان قلت: لم لم يقل عليه السلام: من عرف ربه عرف نفسه، ومعلوم ان ترتيب هذه المتصلة على هذا الوجة أولى فان استلزام مقدمها لتاليها يكون اقوى من استلزامه له ان لو كانت (1) على الترتيب المذكور الان لانه استدلال ببرهان لم، ولاشك ان برهان لم اقوى من برهان ان، لما ان العلم بالعلة المعينة مستلزم للعلم بالمعلول المعين واما العلم بالمعلول المعين فلا يدل الا على العلة المطلقة، اما المعينة فلا، لجواز تعليل المعلول النوعى بعلتين فلا يتعين الشخصي (2) لاحديمها ؟ قلت: لا شك فيما ذكرته من ان برهان لم اقوى والاستدلال به اولى الا انا نقول: ان هذه الكلمة خرجت منه عليه السلام مخرج التأديب والحث على جماع مكارم - الاخلاق واقتناء الفضائل، وذلك ان الانسان إذا عرف نفسه بكثرة عيوبها ونقصانها وحاجتها الى التكميل كان ذلك داعيا له على اصلاح قوتيه العملية والنظرية ثم انه نبه على وجوب معرفة النفس بعد ذكرها بانها اقرب قريب الى الانسان بحيث يحتاج في معرفتها الى طلب زائد هي وسيلة الى الغاية المطلوبة للكل الواجبة على الاطلاق وهى معرفة - الصانع وهذا شأن المؤدب الحاذق ان يعين مطلوبه اولا لمن (3) يؤدبه عليه ثم ينبهه على حسنه ووجه وجوبه عليه وليس مقصوده الاول ههنا هو التنبيه على وجوب معرفة الله ولو انه قدم معرفة الله تعالى لفات الغرض المذكور من الكلمة، ولما بقى ذلك الذوق لها، ولما كان ذلك حثا للانسان على الاطلاع على عيب نفسه، وانت بعد مخض هذه الكلمة في سقاء ذهنك وارسال الرائد الفكري في جميع مفهوماتها ستجمع لك زبدتها، والله ولى هدايتنا، وبه حولنا وقوتنا، اللهم اهلنا لاستشراق نفحات عزتك، وملكنا ملكة الاتصال بارباب حضرتك، وانشر لنا جناح الفرح (4) بمطالعة كبريائك، ولمحات جمالك وبهائك، انك انت الوهاب. ________________________________________ (1) - ب: " ان كانت ". (2) - ب الشخص ". (3) - ب ج " ممن ". (4) - " الفرج " بالجيم. ________________________________________