[ 57 ] يقولون لو واصلتنا سكن الهوى * بقلبك يا مجنون وانقطع الحزن فها انا قد واصلتهم مثل قولهم * وما هدأ الاشواق والقلب ما سكن الكلمة الثالثة قوله عليه السلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه. اقول: المعرفة بحسب عرف العلماء يخص التصور دون التصديق وان قل الفرق بينهما وبين العلم في وضع اللغة ثم ما اسهل ما يتأتى لك الاطلاع على معنى هذه المتصلة بعد احاطتك بالاصول السابقة فانك قد علمت ان للنفس الانسانية قوتين عالمة وعاملة هما في مبدء الامر خاليتان عن الكمال، وعلمت ان العاملة هي التى تكون لها بحسب حاجتها الى تدبير البدن وتكميله، وان العالمة هي التى تكون لها بحسب تأثرها عن مباديها وحاجتها الى تكميل جوهرها عقلا بالفعل (1)، ثم اطلعت على مراتب استعدادات هذه القوة وإذا عرفت ذلك فاعلم ان المراد حينئذ من اطلع على نفسه فعرفها بكثرة عيوبها ونقصاناتها وفقرها الى كمالات خارجة عن ذاتها ليست لها من حيث هي هي بل يحتاج لها الى استعدادات مترتبة حتى يفاض عليها بحسب استحقاقها حالا بعد حال ثم علم كيفية تنقل قوتة العاقلة في المراتب المذكورة اما بحسب ذوق العرفان أو بحسب سوق (2) البرهان فقد استلزم ذلك معرفته لربه بحسبهما استلزاما ضروريا لما ان العلم بالمعلول مستلزم للعلم بعلته الا انه ينبغى ان يعلم ان معرفته بالكنه غير ممكنة الا له إذ كانت حقيقته بريئة عن جهات التركيب العقلية والخارجية المستلزمة للامكان المستلزم للفقر والنقصان، ومعرفة الشئ بكنهه انما تحصل بالاطلاع على اجزاء ماهيته وابعاضها فالمطلع عليه إذا لوازم (3) سلبية أو اضافية تلزم معقوليته وواجبيته لزوما عقليا وعند ذلك المقام تزاحم ________________________________________ (1) راجع ص 17 - 14. (2) - ج د: " شوق " (بالشين المعجمة). (3) - ج د: " لورام ". ________________________________________