[ 88 ] متوجهة بها من المطالب مترددة في المعاني الحاضرة عندها طالبة مبادئ تلك المطالب الموصلة إليها حتى يظفر بالحد الاوسط منها ويضعه (1) مع طرفي المطلوب احد الاوضاع المخصوصة التى يستلزم المطلوب فيرجع منها إليه وان كان قد يطلق على غير هذا المعنى، واما الاعتبار فهو مأخوذ من العبور وهو المجاوزة والتعدى من شئ الى شئ، ولما كان السالك بالنظر متجاوزا بقدم فكره المبادئ الى المطالب لا جرم كان معتبرا وإذا عرفت ذلك لاح لك حينئذ وجه الملازمة بين النظر والاعتبار وان من نظر النظر التام بشروطه الصحيحة فلابد وان (2) يعتبر. فان قلت: المراد من الاعتبار ليس هو العبور بل الاتعاظ والانزجار بدليل قوله تعالى: وان لكم في الانعام لعبرة (3) وقوله تعالى: ان في ذلك لعبرة لاولى الابصار (4) ؟ قلت: لا نسلم بل الاعتبار حقيقة فيما ذكرنا بدليل انه يقال: اعتبر فاتعظ فتعليل (5) الاتعاظ بالاعتبار والناظر في كيفية خلقة الانعام وفى خلق السماوات والارض عابر بحركته الفكرية في ترتيب دليل من خلقها على وجود الصانع وحكمته الى ذلك المطلوب الا ان الاتعاظ لما كان من لوازم ذلك العبور حتى إذا تقررت في النفس حقائق الاشياء وما يجب ان يقتنى فتطلبه وما ينبغى ان يترك فتجتنبه مما هو ضار لها في امر معادها فحينئذ تنزجر عن متابعة هواها فيما يوجب لها العذاب الاليم وذلك معنى اتعاظها، والى ذلك اشير في التنزيل الالهى: انما يخشى الله من عباده العلماء (6) الذين لمحوا بلواحظ افكارهم عواقب الامور ونتائج المقدمات فلازموا خشية الله تعالى وانزجروا عن متابعة الهوى لاجرم اطلق في موضع آخر لفظ العبرة والاعتبار على الاتعاظ مجازا من باب اطلاق اسم الملزوم ________________________________________ (1) - ا: " تضعه ". (2) ج: " فلا بدان ". (3) - صدر آيتين وهما 66 سورة النحل و 21 سورة المؤمنين. (4) - ذيل آيتين، 13 سورة آل عمران و 44 سورة النور. (5) - ا ب د " فتعلل ". (6) - من (وسط) آية 28 سوره الفاطر. ________________________________________