[129] فيما تركت (1) " فلينزلن أحدكم اليوم نفسه في هذه الدنيا كمنزلة المكرور إلى الدنيا، النادم على ما فرط فيها من العمل الصالح ليوم فاقته. واعلموا عباد الله ! أنه من خاف البيات تجافى عن الوساد، وامتنع من الرقاد (2) وأمسك عن بعض الطعام والشراب من خوف سلطان أهل الدنيا، فكيف - ويحك - يا ابن آدم من خوف بيات سلطان رب العزة ؟ وأخذه الاليم وبياته لاهل المعاصي والذنوب مع طوارق المنايا (3) بالليل والنهار، فذلك البيات الذي ليس منه منجى، ولا دونه ملتجأ، ولا منه مهرب. فخافوا الله أيها المؤمنون من البيات خوف أهل التقوى، فإن الله يقول: " ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (4) ". فاحذروا زهرة الحياة الدنيا وغرورها وشرورها، وتذكروا ضرر عاقبة الميل إليها، فإن زينتها فتنة وحبها خطيئة. واعلم - ويحك - يا ابن آدم أن قسوة البطنة، وفترة الميلة، وسكر الشبع، وغرة الملك (5) مما يثبط ويبطئ عن العمل وينسي الذكر، ويلهي عن اقتراب الاجل، حتى كأن المبتلى بحب الدنيا به خبل من سكر الشراب (6) وأن العاقل عن الله، الخائف منه، العامل له ليمرن نفسه ويعودها الجوع، حتى ما تشتاق إلى الشبع، وكذلك تضمر الخيل لسبق الرهان (7). ________________________________________ (1) المؤمنون: 100. (2) البيات: الهجوم على الاعداء ليلا. وتجافي: تنحى، والوسادة - بالتثليث: المخدة والمتكاء. والرقاد: النوم. (3) المنايا: جمع المنية أي الموت. وطوارق المنية: دواهي الموت. (4) سورة ابراهيم: 18. (5) البطنة - بالكسر -: الامتلاء الشديد من الاكل. وفى بعض النسخ " نشوة البطنة وفطرة الميلة " والميلة: الرغبة. وفى بعض النسخ " عزة الملك " والعزة: الحمية والغلبة. (6) الخبل - بالتحريك -: اصابة الجنون وفساد في العقل. (7) تضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده عن القوت وذلك في أربعين يوما. ________________________________________