@ 199 @ تأخذ العقول وكان كل منهما شديد الحط على الآخر في غيبته ومن أبلغ ما وقع بينهما أن السلطان أمر صاحب الترجمة أن يهجو نفعي فهجاه بقصيدة أفحش فيها فلما سمعها نفعي استشاط غيظا وجزم على مكيدته وعرض في المجلس السلطاني بأن المنطقي يحسن محاكاة كل جيل من الناس وأن أحسن ما رآه منه محاكاة الفرنج في الملبس والمكاامة فنادى السلطان صاحب الترجمة وذكر له ما قاله نفعي عنه فحلف الأيمان الأكيدة أنه لم يصدر منه مثل ذلك قط وما زال يتخضع ويبكي حتى خلص نفسه من هذه الورطة التي كان أدنى عاقبتها القتل ولما تحرّك الجند على السلطان وقتلوا الوزير الأعظم أحمد باشا الحافظ انقطع صاحب الترجمة عن صحبة السلطان خوفاً من الجند ولزم زاوية العزلة وظهر السلطان بعد ذلك على الجند وقتل منهم من قتل وفرق شملهم فظهر المنطقي إلى الوجود إلا أنه ضرب بالحجاب بينه وبين صحبة السلطان كغيره من الندماء ولكنه بقي على التردد إلى مجالس الصدور كالمفتي الأعظم المولى يحيى بن زكرياء وغيره وكان كثير الحط على من يعاديه مغالياً في إظهار زيف أبناء عصره خصوصاً أهالي بلدته دمشق وذكر والدي في ترجمته أنه كان يوماً في مجلس المفتي المذكور فوصلت إليه قصيدة أرسلها إليه أديب دمشق أحمد بن شاهين ومطلعها % ( لا يسلني عن الزمان سؤول % إنّ عتبي على الزمان يطول ) % | فناوله المفتي قرطاسها وأمره بقراءتها فابتدر يقرؤها ويحاكي ناظمها في حركاته وإنشاده الشعر وكان على طريقة أبي عبادة البحتري في إنشاده الشعر يتشدّق ويهز رأسه ومنكبيه ويشير بكمه ويقف عند كل بيت ويقول أحسنت أو أجدت أو ما شاكلها إلى أن أتم قراءتها على هذا الأسلوب فبلغ ابن شاهين ما فعله فجهز قصيدة ثانية إلى المفتي المذكور ومطلعها قوله % ( غب لثم الأعتاب بعد الدعاء % بشفاه لم تنو غير الشفاء ) % | وذكر فيها فصلاً يعرض بالمنطقي وهو في بابه مستعذب جدّاً وذلك قوله فيها % ( وأناس من الشآم نعتهم % شامنا في جوانب الغبراء ) % % ( تركتهم لا يألفون خليلاً % من جميع الورى لفقد الوفاء ) % % ( خرجوا يطلبون فضل ثواء % ليتهم قد رضوا بفضل الثراء ) % % ( ألفوا الكسب من وجوه البرايا % ما دروا قدر مكسب الآباء ) %