@ 208 @ | وبعدما أتم العمارة قطن بالمدرسة وأسكن في حجرتها عدة من الفقراء وكان يقيم حلقة الذكر في الجامع الأموي يوم الجمعة عقب الصلاة عند باب الخطابة وبالمدرسة المذكورة يوم الإثنين بعد العصر وكان يتعاطى الإصلاح بين الناس وعظم صيته وارتفع قدره حتى صارت الحكام والأمراء يقصدونه للزيارة ويتبركون بدعواته وكان لطيف المحاورة طريف المعاشرة يستحضر أخبار السلف ويوردها أحسن مورد وكان يكرم المترددين إليه ويضيفهم ويقبل عليهم وكان يكاشف الغالب منهم بأنواع المكاشفات قرأت بخط الأديب عبد الكريم الطبراني في بعض مجاميعه أنه وقع لصاحب الترجمة مكاشفة مع بعض الروميين وكان من جماعة خسرو باشا كافل المملكة الشامية وقد ذهب لزيارته فقال له اليوم يحصل لك حادثة فاحذرها ولا تخرج من مكانك حتى يمضي اليوم فلم يبال بما قاله وخرج من غير مشورة لجهة الكسوة لأمر أوجب ذلك فاتفق له أن ساق جواده ولا زال يسوقه حتى رماه على صخور وحجارة صلدة فهشم وبقي طريحاً على الأرض لا يفيق ولا يعي ثم حمل إلى منزلة واستمر يعالج نفسه إلى أن عوفي وأشهر ما يؤثر عنه لردّ الضالة اللهم يا معطي من غير طلب ويا رازقاً من غير سبب رد علي ما ذهب وبالجملة فإنه كان من الولاية في رتبة عالية وهو فوق ما وصفته في كل منقبة سامية وكانت ولادته في بضع وعشرين وتسعمائة وتوفي يوم الأحد لثلاث بقين من شهر رمضان سنة خمس بعد الألف وصلى عليه بعد العصر بالجامع الأموي ودفن في مدفن الأمير سيف الدين بالمدرسة المذكورة رحمه الله تعالى .
المولى أحمد بن سليمان الرومي المعروف بالإياشي قاضي القضاة بحلب ثم بالشام ولي الشام في سنة سبع بعد الألف وكان في ابتداء قضائه معتدلاً وسلك مسلك الإنصاف ومدحه شعراء دمشق بالقصائد البديعة ومنهم أبو المعالي درويس محمد الطالوي فإنه كاتب إليه قصيدة شينية استحسنها أدباء وقته مع صوبة رويها ومطلعها % ( كيف أخشى في الشام أمر معاشي % وملاذي بها جناب الإياشي ) % % ( أفضل القوم من سما للمعالي % فاعتلاها طفلاً وكهلاً وناشي ) % % ( فهو بدر العلوم صدر الموالي % من سماهم فضلاً ولست أحاشي ) % % ( ساق عدلاً بالشام حتى شهدنا % مشي ذئب الفلاة بين المواشي ) %