" أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد A فيشهدون فتقول الأمم : من أين عرفتم ؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد A فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم " وذلك قوله تعالى : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " النساء : 41 .
فإن قلت : فهلا قيل لكم شهيدا ؟ وشهادته لهم لا عليهم . قلت : لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء . ومنه قوله تعالى : " والله على كل شيء شهيد " المجادلة : 7 ، " كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد " المائدة : 17 . وقيل : لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار " ويكون الرسول عليكم شهيدا " يزكيكم ويعلم بعدالتكم فإن قلت : لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت آخرا ؟ قلت : لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم . " التي كنت عليها " ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعولي جعل . يريد : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها وهي الكعبة لأن رسول الله A كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود ثم حول إلى الكعبة فيقول : وما جعلنا القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة يعني : وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء " لنعلم " الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص " على عقبيه " لقلقه فيرتد كقوله : " وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا " الآية . ويجوز أن يكون بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته . يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض . وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا - وهي بيت ال مقدس لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه . وعن ابن عباس Bه : كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه فإن قلت : كيف قال " لنعلم " ولم يزل عالما بذلك ؟ قلت : معناه : لنعلمه علما يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمه موجودا حاصلا ونحوه : " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " التوبة : 16 . وقيل : ليعلم رسول الله والمؤمنون . وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده . وقيل : معناه لنميز التابع من الناكص كما قال : " ليميز الله الخبيث من الطيب " الأنفال : 37 ، فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز به " وإن كانت لكبيرة " هي إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة . والضمير في " كانت " لما دل عليه قوله : " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " من الردة أو التحويلة أو الجعلة . ويجوز أن يكون للقبلة " لكبيرة " لثقيلة شاقة " غلا على الذين هدى الله " إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول الذي لطف الله بهم وكانوا أهلا للطفه " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزالوا ولم ترتابوا بل شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب العظيم . ويجوز أن يراد : وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم . وقيل : من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة . عن ابن عباس Bه : لما وجه رسول الله إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت .
" لرؤوف رحيم " لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم . ويحكى عن الحجاج أنه قال للحسن : ما رأيك في أبي تراب فقرأ قوله : " إلا على الذين هدى الله " ثم قال : وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله A وخنته على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم . وقرئ : إلا ليعلم على البناء للمفعول . ومعنى العلم : المعرفة . ويجوز أن تكون من متضمنة لمعنى الاستفهام معلقا عنها العلم كقولك : علمت أزيد في الدار أم عمرو . وقرأ ابن أبي إسحاق على عقبيه بسكون القاف . وقرأ اليزيدي لكبيرة بالرفع . ووجهها أن تكون كان مزيدة كما في قوله : .
وجيران لنا كانوا كرام
