الاستهزاء باسمه كقوله : " وجزاء سيئه سيئه مثلها " الشورى : " فمن اعتدىعليكم فاعتدوا عليه " البقرة : . فإن قلت : كيف ابتدئ قوله : " الله يستهزئ بهم " ولم يعطف على الكلام قبله . قلت : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن الله D هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل . وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله . فإن قلت : فهلا قيل الله مستهزئ بهم ليكون طبقا لقوله : " أنما نحن مستهزءون " قلت : لأن " يستهزئ " يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم " أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين " التوبة : وما كانوا يخلون في كثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم " يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون " التوبة : " ويمدهم فى طغينهم " من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره . وكذلك مد الداوة وأمدها : زادها ما يصلحها . ومددت السرج والأرض : إذا استصلحتهما بالزيت والسماد . ومده الشيطان في الغي وأمده : إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزعاد انهماكا فيه . فإن قلت : لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال . قلت : كفاك دليلأ على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن : " ويمدهم " وقراءة نافع : " وإخوانهم يمدونهم " الأعراف : على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له . فإن قلت : فكيف جاز أن يوليهم الله مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين ألا ترى إلى قوله تعالى : " وإخوانهم يمدونهم في الغي " الأعراف : قلت : إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مددا . وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم . وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده . فإن قلت : فما حملهم على تفسيرالمد في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه . قلت : استجرهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام . ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحقي سليمأ من القادح فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل . ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره : في ضلالتهم يتمادون وأن هؤلاء من أهل الطبع . والطغيان : الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو . وقرأ زيد بن علي Bه : " فى طغينهم " بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان وغنيان وغنيان . فإن قلت : أي نكتة في إضافته إليهم قلت : فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم وأن الله برئ منهم ردا لاعتقاد الكفرة القائلين : لو شاء الله ما أشركنا ونفيا لو هم من عسى يتوهم عند إسناد المد إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته . ومصداق ذلك أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله : " وإخوانهم يمدونهم في الغي " الأعراف : والعمه : مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي خاصة وهو التحير والترقد لا يدري أين يتوجه . ومنه قوله : بالجاهلين العمه أي الذين فين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق . وسلك أرضا عمهاء : لا منار بها .
ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى : اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل الاستعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر . ومنه : .
أخذ ت بالجمة رأسأ أزعرا ... وبالثنايا الواضحات الدردرا .
وبالطويل العمر عمرا حيدرا ... كما اشترى المسلم إذ تنصرا
