تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع . وقولهم : " وإما أن نكون نحن الملقين " فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر أو تعريف الخبر وإقحام الفصل وقد سوغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم . وثقة بما كان بصدده من التأييد السماوي وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدا " سحروا أعين الناس " أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه كقوله تعالى : " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " طه : 66 ، . روي : أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي أمثال الحيات قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضا " واسترهبوهم " وأرهبوهم إرهابا شديدا كأنهم استدعوا رهبتهم " بسحر عظيم " في باب السحر . روي أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة . قيل : جعلوا فيها الزئبق " ما يأفكون " ما موصولة أو مصدرية بمعنى : ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه أو إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك روي أنها لما تلقفت ملئ الوادي من الخشب والحبال رفعها موسى . أو إفكهم فرجعت عصى كما كانت وأعدم الله بقدرته تلك الإبرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة قالت للسحرة : لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا " فرقع الحق " فحصل وثبت . ومن بدع التفاسير : فوقع قلوبهم أي فأثر فيها من قولهم . قاس وقيع " وانقلبوا صاغرين " وصاروا أذلاء مبهوتين " وألقى السحرة " وخروا سجدا : كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم . وقيل : لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا . وعن قتادة : كانوا أول النهاركفارا سحرة ؟ وفي آخره شهداء بررة . وعن الحسن : تراه ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا وكذا وهؤلاء كفار نشأوا في الكفر بذلوا أنفسهم لله .
" قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين " .
" آمنتم به " على الإخبار أي فعلتم هذا الفعل الشنيع توبيخا لهم وتقريعا . وقرئ : " أآمنتم " بحرف الاستفهام ومعناه الإنكار والاستبعاد " إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة " إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بني إسرائيل وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان . وروي أن موسى عليه السلام قال للساحر الأكبر : أتؤمن بي إن غلبتك ؟ قال : لآتين بسحر لا يغلبه سحر . وإن غلبتني لأومنن بك وفرعون يسمع فلذلك قال ما قال : " فسوف تعلمون " وعيد أجمله ثم فصله بقوله : " لأقطعن " وقرئ : لأقطعن بالتخفيف وكذلك " ثم لأصلبن " " من خلف " من كل شق طرفا . وقيل : إن أول من قطع من خلاف وصلب لفرعون .
" قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين " .
" آمنتم به " فيه أوجه أن يريدوا : إنا لا نبالي بالموت لانقلابها إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك . أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا أو إنا لا حمالة ميتون منقلبون إلى الله فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه " وما تنتقم منا إلا أن آمنا " وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله أرادوا : وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان . ومنه قوله : .
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .
" أفرغ علينا صبرا " هب لنا صبرا واسعا وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا كما يفرغ الماء فراغا وعن بعض السلف : إن أحدكم ليفرغ على أخيه ذنوبا ثم يقول : قد مازحتك أي يغمره بالحياء والخجل . أو صمت علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام وهو الصبر على ما توعدنا به فرعون لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرة لهم " وتوفنا مسلمين " ثابتين على الإسلام .
" وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون "