" بالسنين " بسني القحط . و السنة من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم ونحو ذلك وقد اشتقوا منها فقالوا : أسنت القوم بمعنى : أقحطوا . وقال ابن عباس رضي الله عنه : أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم . وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم . وعن كعب : يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة " لعلهم يذكرون " فيتنبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر وتكذيبهم لآيات الله ولأن الناس في حال الشدة أضرع خدودا وألين أعطافا وأرق أفئدة . وقيل : عاش فرعون أربعمائة سنة ولم ير مكروها في ثلثمائة وعشرين سنة ولو أصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية .
" فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون " .
" فإذا جاءتهم الحسنة " من الخصب والرخاء قالوا لنا هذه " أي هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها ولم نزل في النعمة والرفاهية واللام مثلها في قولك . الجل للفرس " وإن تصبهم سيئة " من ضيقة وجدب " يتطيروا بموسى ومن معه " يتطيروا بهم ويتشاءموا ويقولوا : هذه بشؤمهم ولولا مكانهم لما أصابتنا كما قالت الكفرة لرسول الله A هذه من عندك . فإن قلت : كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة ؟ قلت : لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه . وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها . ومنه قول بعضهم : قد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء " طائرهم عند الله " أي سبب خيرهم وشرهم عند الله وهو حكمه ومشيئته والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيئة وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه كقوله تعالى : " قل كل من عند الله " النساء : 78 ، ويجوز أن يكون معناه : ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه : " النار يعرضون عليها " غافر : 46 ، الآية . ولا طائر أشأم من هذا . وقرأ الحسن : إنما طيركم عند الله وهو اسم لجمع طائر غير تكسير ونظيره : التجر والركب . وعند أبي الحسن : هو تكسير .
" وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وآيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين " .
" مهما " هي ما المضمنة معنى الجزاء ضمت إليها ما المزيدة المؤكدة للجزاء في قولك : متى ما تخرج أخرج " أينما تكونوا يدرككم الموت " النساء : 78 ، " فإنما نذهبن بك " الزخرف : 41 ، إلا أن الألف قلبت هاء استثقالا لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصري ومن الناس من زعم أن مه هي الصوت الذي يصوت به الكاف و ما للجزاء كأنه قيل : كف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فإن قلت : ما محل مهما ؟ قلت : الرفع بمعنى : أيما شيء تأتنا به . أو النصب بمعنى : أيما شيء تحضرنا تأتنا به . ومن آية : تبيين لمهما . والضميران في " به " و " بها " راجعان إلى مهما إلا أن أحدهما ذكر على اللفظ والثاني أنث على المعنى لأنه في معنى الآية . ونحوه قول زهير : .
ومهما تكن عند امريء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم