أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله A أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل . وقالت النصارى لهم نحوه وكفروا بموسى والتوراة . " فالله يحكم " بين اليهود والنصارى " يوم القيامة " بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه . وعن الحسن : حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار " أن يذكر " ثاني مفعولي منع . لأنك تقول : منعته كذا . ومثله " ومامنعنا أن نرسل " الإسراء : 59 ، " وما منع الناس أن يؤمنوا " الإسراء : 94 ، ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن ولك أن تنصبه مفعولا له بمعنى كراهة أن يذكر وهو حكم عام لجنس مساجد الله وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم والسبب فيه أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه وأن الروم غزوا أهله فرخبوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا . وقيل : أراد به منع المشركين رسول الله A أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية . فإن قلت : فكيف قيل مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام ؟ قلت : لابأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا كما تقول لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين . وكما قال الله D : " ويل لكل همزة لمزة " الهمزة : 1 ، والمنزول فيه الأخنس بن شريق " وسعى في خرابها " بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان . وينبغي أن يراد ب من منع العموم كما أريد بمساجد الله ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى أو المشركين " أولئك " المانعون " ما كان لهم أن يدخلوها " أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله " إلا خائفين " على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها . والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم . وقيل : ما كان لهم في حكم الله يعني : أن الله قد حكم وكتب في اللوح أنه ينصر المؤمنين ويقويهم حتى لا يدخولها إلا خائفين . روى : أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة . وقال قتادة : لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا أنهك ضربا وأبلغ إليه في العقوبة . وقيل : نادى رسول الله A : " ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان " وقرأ أبو عبد الله إلا خيفا وهو مثل صيم . وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد : فجوزه أبو حنيفة C ولم يجوزه مالك وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره . وقيل : معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله : " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " الأحزاب : 53 ، " خزي " قتل وسبي أو ذلة بضرب الجزية . وقيل : فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية .
" ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم " " ولله المشرق والمغرب " أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها " فأينما تولوا " ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى : " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " . " فثم وجه الله " أي جهته التي أمر بها ورضيها . والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام وفي بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إمكانها في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان " إن الله واسع " الرحمة يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم " عليم " بمصالحهم . وعن ابن عمر : نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت . وعن عطاء : عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا . وقيل : معناه فأينما تولوا للدعاء والذكر ولم يرد الصلاة . وقرأ الحسن : فأينما تولوا بفتح التاء من التولي يريد : فأينما توجهوا القبلة .
" وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون "
