- التوكل نوعان .
قال الكردري : التوكل نوعان : الأول وهو سكون النفس إلى ما سبق في القضاء بلا مبالاة لفوات نفع أو دفع ضرر والاضطراب وعدم مساواة الوصول والحرمان عنده بنفي وجود هذا النوع من التوكل وكذلك الميل إلى الأسباب والاشتغال بها يدفع هذا النوع إليه أشاد عليه السلام بقوله : " لو توكلتم على الله حق توكله " لأن من المعلوم أن الطير لا يلتفت إلى حصول نفع ودفع ضرر لا يبالي بالوصول والحرمان . والتوكل فقال : لو كنتم على صفة غير مبال بنيل أو فوات وكنتم متوكلين حق التوكل أدركتم فأقسم لكم من غير حرث ولا زرع .
وهذا هو المندوب المدعو إليه والثاني وهو مأذون في غير المدعو إليه وهو ما يكون لرفع الضرر والمكاره فإنه أيضا توكل إلا أنه ناقص ألا ترى أن عمر قال لما قال النبي صلى الله عليه وسلّم عن الطير : " أرسل ناقتي أم أقيد وأتوكل قال : لا بل قيد وتوكل " .
فإن كان يريد بالتوكل التحرز من الآفات والبلاء لا السكون إلى ما سبق من القضاء فأمره النبي صلى الله عليه وسلّم بالنوع الذي وقع فيه المشورة إذ المستشار مؤتمن ومثله ما قال عليه السلام لكعب بن مالك المتخلف عن غزوة تبوك أحد الثلاثة : " أنفق عليك مالك " حين قال : نيتي أن أتخلع من مالي وقال لبلال : " أنفق مالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا " لأنه صلى الله عليه وسلّم كان مستكمل التوكل على الله . ساكنا إلى ماله عند مولاه غير ملتفت إلى حظه وهواه .
وأما غيره فكان مراده الاحتراز عن المكاره والاحتمال لدفع المضار وكذا قيل لأبي بكر الصديق : أن يدعى لك الطبيب . قال : الطبيب أمرضني . وإليه أشار الجليل بقوله : { وإذا مرضت فهو يشفين } ( 1 ) والقيل إلى النوع الثاني عن سعد بن الربيع كواه النبي صلى الله عليه وسلّم وأتى رحبه الدهني هناك من هنا فخرجها بمشقص .
ثم اعلم أن الحسن بن زياد ذهب إلى أن التداوي لا يجوز لأنه يمنع التوكل على الله تعالى { فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ( 2 ) .
_________ .
( 1 ) الشعراء 80 .
( 2 ) المائدة 23
