وأول رجل قطعت يده في الإسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وأول امرأة قطعت يدها المخزومية مرة بنت سفيان .
فاتفق الفقهاء على أن أول ما يبدأ به في عقوبة السارق أن تقطع يده . فقال الجمهور : اليد اليمنى وقال فريق : اليد اليسرى فإن سرق ثانية فقال جمهور الأئمة : تقطع رجله المخالفة ليده المقطوعة . وقال علي بن أبي طالب : لا يقطع ولكن يحبس ويضرب . وقضى بذلك عمر بن الخطاب وهو قول أبي حنيفة . فقال علي : إني لأستحيي أن أقطع يده الأخرى فبأي شيء يأكل ويستنجي أو رجله فعلى أي شيء يعتمد ؛ فإن سرق الثالثة والرابعة فقال مالك والشافعي : تقطع يده الأخرى ورجله الأخرى وقال الزهري : لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل لا يزاد على ذلك وبه قال أحمد بن حنبل والثوري وحماد بن سلمة . ويجب القضاء بقول أبي حنيفة فإن الحدود تدرأ بالشبهات وأي شبهة أعظم من اختلاف أئمة الفقه المعتبرين .
والجزاء : المكافأة على العمل بما يناسب ذلك العمل من خير أو شر قال تعالى ( إن للمتقين مفازا إلى قوله جزاء من ربك عطاء حسابا ) في سورة النبأ وقال تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) في سورة الشورى .
والنكال : العقاب الشديد الذي من شأنه أن يصد المعاقب عن العود إلى مثل عمله الذي عوقب عليه وهو مشتق من النكول عن الشيء أي النكوص عنه والخوف منه .
فالنكال ضرب من جزاء السوء وهو أشده وتقدم عند قوله تعالى ( فجعلناها نكالا ) الآية في سورة البقرة .
وانتصب ( جزاء ) على الحال أو المفعول لأجله وانتصب ( نكالا ) على البدل من ( جزاء ) بدل اشتمال .
فحكمة مشروعية القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العود أي جزاء ليس بانتقام ولكنه استصلاح . وضل من حسب القطع تعويضا عن المسروق فقال من بيتين ينسبان إلى المعري " وليس في السقط ولا في اللزوميات " : .
يد بخمس مئين عسجدا وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار ونسب جوابه لعلم الدين السخاوي : .
عز الأمانة أغلاها ؛ وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري وقوله ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ) أي من تاب من السارقين من بعد السرقة تاب الله عليه أي قبلت توبته . وقد تقدم معناه عند قوله تعالى ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) في سورة البقرة . وليس في الآية ما يدل على إسقاط عقوبة السرقة عن السارق إن تاب قبل عقابه لأن ظاهر " تاب وتاب الله عليه " أنه فيما بين العبد وبين ربه في جزاء الآخرة ؛ فقوله ( فمن تاب من بعد ظلمه ) ترغيب لهؤلاء العصاة في التوبة وبشارة لهم . ولا دليل في الآية على إبطال حكم العقوبة في بعض الأحوال كما في آية المحاربين فلذلك قال جمهور العلماء : توبة السارق لا تسقط القطع ولو جاء تائبا قبل القدرة عليه . ويدل لصحة قولهم أن النبي A قطع يد المخزومية ولا شك أنها تائبة .
قال ابن العربي : لأن المحارب مستبد بنفسه معتصم بقوته لا يناله الإمام إلا بالإيجاف بالخيل والركاب فأسقط إجزاؤه بالتوبة استنزالا من تلك الحالة كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام . وأما السارق والزاني فهما في قبضة المسلمين اه .
وقال عطاء : إن جاء السارق تائبا قبل القدرة عليه سقط عنه القطع ونقل هذا عن الشافعي وهو من حمل المطلق على المقيد حملا على حكم المحارب وهذا يشبه أن يكون من متحد السبب مختلف الحكم . والتحقيق أن آية الحرابة ليست من المقيد بل هي حكم مستفاد استقلالا وأن الحرابة والسرقة ليسا سببا واحدا فليست المسألة من متحد السبب ولا من قبيل المطلق الذي قابله مقيد .
( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير [ 40 ] ) استئناف بياني جواب لمن يسأل عن انقلاب حال السارق من العقاب إلى المغفرة بعد التوبة مع عظم جرمه بأن الله هو المتصرف في السماوات والأرض وما فيهما فهو العليم بمواضع العقاب ومواضع العفو .
A E
