القسم الثاني : ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام كأنواع من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال التي يستحلونها ويحرمها الإسلام . وهذه أيضا يقرون عليها قال مالك : لا يقام حد الزنا على الذميين فإن زنى مسلم بكتابية يحد المسلم ولا تحد الكتابية . قال ابن خويز منداد : ولا يرسل الإمام إليهم رسولا ولا يحضر الخصم مجلسه .
القسم الثالث : ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض . وقد أجمع علماء الأمة على أن هذا القسم يجري على أحكام الإسلام لأنا لم نعاهدهم على الفساد وقد قال تعالى ( والله لا يحب الفساد ) ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرمات .
القسم الرابع : ما يجري بينهم من المعاملات التي فيها اعتداء بعضهم على بعض : كالجنايات والديون وتخاصم الزوحين . فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرض لهم فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين . فقال مالك : يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوبا لأن في الاعتداء ضربا من الظلم والفساد وكذلك قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وزفر . وقال أبو حنيفة : لا يحكم بينهم حتى يتراضى الخصمان معا .
( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين [ 43 ] ) هذه الجملة عطف على جملة ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) . والاستفهام للتعجيب ومحل العجب مضمون قوله ( ثم يتولون من بعد ذلك ) أي من العجيب أنهم يتركون كتابهم ويحكمونك وهم غير مؤمنين بك ثم يتولون بعد حكمك إذا لم يرضهم . فالإشارة بقوله ( من بعد ذلك ) إلى الحكم المستفاد من ( يحكمونك ) أي جمعوا عدم الرضى بشرعهم وبحكمك . وهذه غاية التعنت المستوجبة للعجب في كلتا الحالتين كما وصف الله حال المنافقين في قوله ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ) . ويحتمل أن الاستفهام إنكاري أي هم لا يحكمونك حقا . ومحل الإنكار هو أصل ما يدل عليه الفعل من كون فاعله جادا أي لا يكون تحكيمهم صادقا بل هو تحكيم صوري يبتغون به ما يوافق أهواءهم لأن لديهم التوراة فيها حكم ما حكموك فيه وهو حكم الله وقد نبذوها لعدم موافقتها أهواءهم ولذلك قدروا نبذ حكومتك إن لم توافق هواهم فما هم بمحكمين حقيقة . فيكون فعل ( يحكمونك ) مستعملا في التظاهر بمعنى الفعل دون وقوعه كقوله تعالى ( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا ) الآية . ويجوز على هذا أن تكون الإشارة بقوله من ( بعد ذلك ) إلى مجموع ما ذكر وهو التحكيم وكون التوراة عندهم أي يتولون عن حكمك في حال ظهور الحجة الواضحة وهي موافقة حكومتك لحكم التوراة .
وجملة ( وما أولئك بالمؤمنين ) في موضع الحال من ضمير الرفع في ( يحكمونك ) . ونفي الإيمان عنهم مع حذف متعلقه للإشارة إلى أنهم ما آمنوا بالتوراة ولا بالإسلام فكيف يكون تحكيمهم صادقا .
وضمير ( فيها ) عائد إلى التوراة فتأنيثه مراعاة لاسم التوراة وإن كان مسماها كتابا ولكن لأن صيغة فعلاة معروفة في الأسماء المؤنثة مثل موماة . وتقدم وجه تسمية كتابهم توراة عند قوله تعالى ( وأنزلنا التوراة والإنجيل ) في سورة آل عمران .
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ 44 ] ) لما وصف التوراة بأن فيها حكم الله استأنف ثناء عليها وعلى الحاكمين بها . ووصفها بالنزول ليدل على أنها وحي من الله فاستعير النزول لبلوغ الوحي لأنه بلوغ شيء من لدن عظيم والعظيم يتخيل عاليا كما تقدم غير مرة .
A E