ومن محاسنها هنا : أنها بنت على استعارة المكانة للحالة في قوله : ( اعملوا على مكانتكم ) فصار المعنى : اعملوا في داركم ما أنتم عاملون فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار .
وفي الكلام مع ذلك إيماء إلى أن عاقبة تلك الدار أي بلد مكة أن تكون للمسلمين كقوله تعالى : ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) وقد فسر قوله : ( من تكون له عاقبة الدار ) بغير هذا المعنى .
وقرأ الجمهور : ( من تكون ) بتاء فوقية وقرأه حمزة والكسائي بتحتية لأن تأنيث عاقبة غير حقيقي فلما وقع فالعلا فيجوز فيه أن يقرن بعلامة التأنيث وبدونها .
وجملة : ( إنه لا يفلح الظالمون ) تذييل للوعيد يتنزل منزلة التعليل أي لأنه لا يفلح الظالمون ستكون عقبى الدار للمسلمين لا لكم لأنكم ظالمون .
والتعريف في ( الظالمون ) للاستغراق فيشمل هؤلاء الظالمين ابتداء . والضمير المجعول اسم ( إن ) ضمير الشأن تنبيها على الاهتمام بهذا الخبر وأنه أمر عظيم .
( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ما يحكمون [ 136 ] ) عطف على نظائره مما حكيت فيه أقوالهم وأعمالهم : من قوله : ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) وقوله : ( وجعلوا لله شركاء الجن ) وقوله : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ) وقوله : ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) وما تخلل ذلك فهو إبطال لأقوالهم ورد لمذاهبهم وتمثيلات ونظائر فضمير الجماعة يعود على المشركين الذين هم غرض الكلام من أول السورة من قوله : ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) . وهذا ابتداء بيان تشريعاتهم الباطلة وأولها ما جعلوه حقا عليهم في أموالهم للأصنام : مما يشبه الصدقات الواجبة وإنما كانوا يوجبونها على أنفسهم بالالتزام مثل النذور أو بتعين من الذين يشرعون لهم كما سيأتي .
والجعل هنا معناه الصرف والتقسيم كما في قول عمر في قضية : ما أفاء الله على رسوله A المختصم فيها العباس وعلي Bهم " فيجعله رسول الله مجعل مال الله " أي يضعه ويصرفه وحقيقة معنى الجعل هو التصيير فكما جاء صير لمعان مجازية كذلك جاء ( جعل ) فمعنى ( جعلوا لله ) : صرفوا ووضعوا لله أي عينوا له نصيبا لأن في التعيين تصييرا تقديرنا ونقلا . وكذلك قول النبي A في حديث أبي طلحة : " أرى أن تجعلها في الأقربين " أي أن تصرفها إليهم و ( جعل ) هذا يتعدى إلى مفعول واحد وهذه التعدية هي أكثر أحوال تعديته حتى أن تعديته إلى مفعولين إنما لما في الحقيقة مفعول وحال منه .
ومعنى : ( ذرأ ) أنشأ شيئا وكثره . فأطلق على الإنماء لأن إنشاء شيء تكثير وإنماء .
( ومما ذرأ ) متعلق : ب ( جعلوا ) . و ( من ) تبعيضية فهو في معنى المفعول و ( ما ) موصولة والإتيان بالموصول لأجل دلالة صلته على تسفيه آرائهم إذ ملكوا الله بعض ملكه لأن ما ذرأه هو ملكه وهو حقيق به بلا جعل منهم .
واختيار فعل : ( ذرأ ) هنا لأنه الذي يدل على المعنى المراد إذ المقصود بيان شرائعهم الفاسدة في نتائج أموالهم ثم سيبين شرعهم في أصول أموالهم في قوله : ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) الآية .
و ( من الحرث والأنعام ) بيان ( ما ) موصولة .
والحرث مراد به الزرع والشجر وهو في الأصل من إطلاق المصدر على اسم المفعول ثم شاع ذلك الإطلاق حتى صار الحرث حقيقة عرفية في الجنات والمزارع قال تعالى : ( أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) .
والنصيب : الحظ والقسم وتقدم في قوله تعالى : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) في سورة البقرة والتقدير : جعلوا لله نصيبا ولغيره نصيبا آخر وفهم من السياق أن النصيب الآخر لآلهتهم . وقد أفصح عنه في التفريع بقوله ( فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ) .
والإشارتان إلى النصيب المعين لله والنصيب المعين للشركاء واسما الإشارة مشار بكل واحد منهما إلى أحد النصيبين على الإجمال إذ لا غرض في المقام في تعيين ما جعلوه لله وما جعلوه لشركائهم .
A E
