صنف محجر على مالكه انتفاعه به وإنما ينتفع به من يعينه المالك . والذي يؤخذ مما روي عن جابر بن زيد وغيره : أنهم كانوا يعينون من أنعامهم وزرعهم وثمارهم شيئا يحجرون على أنفسهم الانتفاع به ويعينونه لمن يشاءون من سدنة بيوت الأصنام وخدمتها فتنحر أو تذبح عندما يرى من عينت له ذلك فتكون لحاجة الناس والوافدين على بيوت الأصنام وإضافتهم وكذلك الزرع والثمار تدفع إلى من عينت له يصرفها حيث يتعين . ومن هذا الصنف أشياء معينة بالاسم لها حكم منضبط مثل البحيرة : فإنها لا تنحر ولا تؤكل إلا إذا ماتت حتف أنفها فيحل أكلها للرجال دون النساء وإذا كان لها در لا يشربه إلا سدنة الأصنام وضيوفهم وكذلك السائبة ينتفع بدرها أبناء السبيل والسدنة فإذا ماتت فأكلها كالبحيرة وكذلك الحامي كما تقدم في سورة المائدة .
فمعنى ( لا يطعمها ) لا يأكل لحمها أي يحرم أكل لحمها . ونون الجماعة في ( نشاء ) مراد بها القائلون أي يقولون لا يطعهما إلا من نشاء أي من نعين أن يطعمها قال في الكشاف : يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء .
A E والحرث أصله شق الأرض بآلة حديدية ليزرع فيها أو يغرس ويطلق هذا المصدر على المكان المحروث وعلى الأرض المزروعة والمغروسة وإن لم يكن بها حرث ومنه قوله تعالى : ( أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) فسماه حرثا في وقت جذاذ الثمار .
والحجر : اسم للمحجر الممنوع مثل ذبح للمذبوح فمنع الأنعام منع أكل لحومها ومنع الحرث منع أكل الحب والتمر والثمار ولذلك قال : ( لا يطعمها إلا من نشاء ) .
وقوله : ( بزعمهم ) معترض بين ( لا يطعمها إلا من نشاء ) وبين : ( وأنعام حرمت ظهورها ) .
والباء في : ( بزعمهم ) بمعنى ( عن ) أو للملابسة أي يقولون ذلك باعتقادهم الباطل لأنهم لما قالوا : ( لا يطعمها ) لم يريدوا أنهم منعوا الناس أكلها إلا من شاءوه لأن ذلك من فعلهم وليس من زعمهم . وإنما أرادوا بالنفي نفي الإباحة أي لا يحل أن يطعمها إلا من نشاء فالمعنى : اعتقدوها حراما لغير من عينوه حتى أنفسهم وما هي بحرام فهذا موقع قوله : ( بزعمهم ) . وتقدم القول على الباء من قوله : ( بزعمهم ) آنفا عند قوله تعالى : ( فقالوا هذا لله بزعمهم ) .
والصنف الثاني : أنعام حرمت ظهورها أي حرم ركوبها منها الحامي : لا يركبه أحد وله ضابط متبع كما تقدم في سورة المائدة ومنها أنعام يحرمون ظهورها بالنذر يقول أحدهم : إذا فعلت الناقة كذا من نسل أو مواصلة بين عدة من إناث وإذا فعل الفحل كذا وكذا حرم ظهره . وهذا أشار إليه أبو نواس في قوله مادحا الأمين : .
وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام فقوله : ( وأنعام حرمت ظهورها ) معطوف على : ( أنعام وحرث حجر ) فهو كخبر عن اسم الإشارة . وعلم أنه عطف صنف لوروده بعد استيفاء الأوصاف التي أجريت على خبر اسم الإشارة والمعطوف عليه عقبه . والتقدير : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر وهذه أنعام وحرث حجر وهذه أنعام حرمت ظهورها . وبني فعل : ( حرمت ) للمجهول : لظهور الفاعل أي حرم الله ظهورها بقرينة قوله : ( افتراء عليه ) .
والصنف الثالث : أنعام لا يذكرون اسم الله عليها أي لا يذكرون اسم الله عند نحرها أو ذبحها يزعمون أن ما أهدي للجن أو للأصنام يذكر عليه اسم ما قرب له ويزعمون أن الله أمر بذلك لتكون خالصة القربان لما عينت له فلأجل هذا الزعم قال تعالى : ( افتراء عليه ) إذ لا يعقل أن ينسب إلى الله تحريم ذكر اسمه على ما يقرب لغيره لولا أنهم يزعمون أن ذلك من القربان الذي يرضى الله تعالى لأنه لشركائه كما كانوا يقولون : " لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك "