واختلف الفقهاء في حكم الأنفال اختلافا ناشئا عن اختلاف اجتهادهم في المراد من الآية وهو اختلاف يعذرون عليه لسعة الإطلاق في أسماء الأموال الحاصلة للغزاة فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وسعيد بن المسيب النفل إعطاء بعض الجيش أو جميعه زيادة على قسمة أخماسهم الأربعة من المغنم فأنما يكون ذلك من خمس المغنم المجعول للرسول A ولخلفائه وأمرائه جمعا بين هذه الآية وبين قوله ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ) الآية فلا نفل إلا من الخمس المجعول لاجتهاد أمير الجيش وعلة ذلك تجنب إعطاء حق أحد لغيره ولأنه يفضي إلى إيقاد الإحن في نفوس الجيش وقد يبعث الجيش على عصيان الأمير ولكن إذا رأى الإمام مصلحة في تنقيل بعض ا لجيش ساغ له ذلك من الخمس الذي هو موكول إليه كما سيأتي في آية المغانم لذلك قال مالك لا يكون التنفيل قبل قسمة المغنم وجعل ما صدر من النبي A يوم حنين من قوله من قتل قتيلا فله سلبه خصوصيه للنبي A وهو ظاهر لأن طاعة الناس للرسول أشد من طاعتهم لمن سواه لأنهم يؤمنون بأنه معصوم عن الجور وبأنه لا يتصرف إلا بإذن الله قال مالك في الموطأ ولم يبلغنا أن رسول الله فعل ذلك غير يوم حنين ولا أن أبا بكر وعمر فعلاه في فتوحهم وإنما اختلفت الفقهاء : في أن النفل هل يبلغ جميع الخمس أو يخرج من خمس الخمس فقال مالك من الخمس كله ولو استغرقه وقال سعيد بن المسيب وأبو حنيفة والشافعي : النفل من خمس الخمس . والخلاف مبني على اختلافهم في أن خمس المغنم أهو مقسم على من سماه القرآن أم مختلط وسيجيء ذلك في آية المغانم . والحجة لمالك حديث ابن عمر في الموطأ أنهم غزو مع رسول الله A قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ونقلوا بعيرا بعيرا فأعطي النفل جميع أهل الجيش وذلك أكثر من خمس الخمس وقال جماعة يجوز التنفيل من جميع المغنم وهؤلاء يخصصون عموم آية ( واعلموا أنما غنمتم ) بآية ( قل الأنفال لله والرسول ) أي فالمغانم المخمسة ما كان دون النفل والقول الأول أسد وأجرى على الأصول وأوفق بالسنة والمسألة تبسط في الفقه وليس من غرض المفسر إلا الإلمام بمعاقدها من الآية .
وتفريع ( فاتقوا الله ) على جملة ( الأنفال لله والرسول ) لأن في تلك الجملة رفعا للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال أو في طلب التنفيل فلما حكم بأنها ملك لله ورسوله أو بأن أمر قسمتها موكول لله فقد وقع ذلك على كراهية كثير منهم ممن كانوا يحسبون أنهم أحق بتلك الأنفال ممن أعطيها تبعا لعوائدهم السالفة في الجاهلية فذكرهم الله بأن قد وجب الرضى بما يقسمه الرسول منها وهذا كله من المقول .
وقدم الأمر بالتقوى لأنها جامع الطاعات .
A E وعطف الأمر بإصلاح ذات البين لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال عبادة بن الصامت " اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا " فأمرهم الله بالتصافح وختم بالأمر بالطاعة والمراد بها هنا الرضى بما قسم الله ورسوله أي الطاعة التامة كما قال تعالى ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) .
والإصلاح : جعل الشيء صالحا وهو مؤذن بأنه كان غير صالح فالأمر بالإصلاح دل على فساد ذات بينهم وهو فساد التنازع والتظالم .
و ( ذات ) يجوز أن تكون مؤنث " ذو " الذي هو بمعني صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو . ووقع في كلامهم مضافا إلى الجهات وإلى الأزمان وإلى غيرهما يجرونه مجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق كقوله تعالى ( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) في سورة الكهف على تأويل جهة وتقول : لقيته ذات ليلة ولقيته ذات صباح على تأويل المقدر ساعة أو وقت وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال ويجوز أن تكون ( ذات ) أصلية الألف كما يقال : أنا أعرف ذات فلان فالمعنى حقيقة الشيء وماهيته كذا فسرها الزجاج والزمخشري فهو كقول ابن رواحة .
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع فتكون كلمة مقحمة لتحقيق الحقيقة جعلت مقدمة وحقها التأخير لأنها للتأكيد مثل المعنى في قولهم جاءني بذاته ومنه يقولون : ذات اليمين وذات الشمال تعالى ( إنه عليم بذات الصدور )