ومعنى زيادة الإيمان : قوة اليقين في نفس الموقن على حسب شدة الاستغناء عن استحضار الأدلة في نفسه وعن إعادة النظر فيها ودفع الشك العارض للنفس فإنه كلما كانت الأدلة أكثر وأقوى وأجلى مقدمات كان اليقين أقوى فتلك القوة هي المعبر عنها بالزيادة وتفاوتها تدرج في الزيادة . ويجوز أن تسمى قلة التدرج في الأدلة نقصا لكنه نقص عن الزيادة وذلك مع مراعاة وجود أصل حقيقة الإيمان لأنها لو نقصت عن اليقين لبطلت ماهية الإيمان وقد أشار البخاري إلى هذا بقوله " باب زيادة الإيمان ونقصانه فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص " فلو أن نقص الأدلة بلغ بصاحبه إلى انخرام اليقين لم يكن العلم الحاصل له إيمانا حتى يوصف بالنقص فهذا هو المراد من وصف الإيمان بالزيادة في القرآن وكلام الرسول A وهو بين . ولم يرد عن الشريعة ذكر نقص الإيمان وذلك هو الذي يريده جمهور علماء الأمة إذا قالوا الإيمان يزيد كما قال مالك بن أنس الإيمان يزيد ولا ينقص وهي عبارة كاملة وقد يطلق الإيمان على الأعمال التي تجب على المؤمن وهو إطلاق باعتبار كون تلك الأعمال من شرائع الإيمان كما أطلق على الصلاة اسم الإيمان في قوله تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) ولكن الاسم المضبوط لهذا المعنى هو اسم " الإسلام " كما يفصح عنه حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان فالإيمان قد يطلق على الإسلام وهو بهذا الاعتبار يوصف بالنقص والزيادة باعتبار الإكثار من الأعمال والإقلال ولكنه ليس المراد في هذه الآية ولا في نظائرها من آيات الكتاب وأقوال النبي A وقد يريده بعض علماء الأمة فيقول : الإيمان يزيد وينقص ولعل الذي ألجأهم إلى وصفه بالنقص هو ما اقتضاه الوصف بالزيادة . وهذا مذهب أشار إليه البخاري في قوله " باب من قال إن الإيمان هو العمل " . وقال الشيخ ابن أبي زيد " وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال فيكون فيها النقص وبها الزيادة " وهو جار على طريقة السلف من إقرار ظواهر ألفاظ القرآن والسنة في الأمور الاعتقادية ولكن وصف الإيمان بالنقص لا داعي إليه لعدم وجود مقتضيه لعدم وصفه بالنقص في القرآن والسنة ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص .
A E وكيفية تأثير تلاوة الآيات في زيادة الإيمان : أن دقائق الإعجاز التي تحتوي عليها آيات القرآن تزيد كل آية تنزل منها أو تتكرر على الأسماع سامعها يقينا بأنها من عند الله فتزيده استدلالا على ما في نفسه وذلك يقوي الإيمان حتى يصل إلى مرتبة تقرب من الضرورة على نحو ما يحصل في تواتر الخبر من اليقين بصدق المخبرين ويحصل مع تلك الزيادة زيادة في الإقبال عليها بشراشر القلوب ثم في العمل بما تتضمنه من أمر أو نهي حتى يحصل كمال التقوى فلا جرم كان لكل آية تتلى على المؤمنين زيادة في عوارض الإيمان من قوة اليقين وتكثير الأعمال فهذا وصف راسخ للآيات ويجوز أن تفسر زيادة الإيمان عند تلاوة الآيات بأنها زيادة إدراك للمعاني المؤمن بها كما فسرت زيادة الإيمان بالنسبة إلى الأعمال التي تجب على المؤمن إذ تلك الإدراكات تعلقات بعضها حسي وبعضها عقلي .
وحظ المقام المتعلق بأحكام الأنفال من هذه الزيادة هو أن سماع آيات حكم الأنفال يزيد إيمان المؤمنين قوة بنبذ الشقاق والتشاجر الطارئ بينهم في أنفس الأموال عندهم وهو المال المكتسب من سيوفهم فإنه أحب أموالهم إليهم . وفي الحديث " وجعل رزقي تحت ظل رمحي " وبذلك تتضح المناسبة بين ذكر حكم الأنفال وتعقيبه بالأمر بالتقوى وإصلاح ذات البين والطاعة ثم تعليل ذلك بأن شأن المؤمنين ازدياد إيمانهم عند تلاوة آيات الله .
( وعلى ربهم يتوكلون [ 2 ] ) صلة ثالثة ل ( المؤمنون ) أو حال منه وجعلت فعلا مضارعا للدلالة على تكرر ذلك منهم ووصفهم بالتوكل على الله وهو الاعتماد على الله في الأحوال والمساعي ليقدر للمتوكل تيسيرا مرة ويعوضه عن الكسب المنهي عنه بأحسن منه من الحلال المأذون فيه . وتقدم تفسير التوكل عند قوله ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) في سورة آل عمران