فهذا ما أشار إليه قوله تعالى : ( وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) وذلك أنهم خرجوا على نية التعرض للعير وأن ليس دون العير قتال فلما أخبرهم عن تجمع قريش لقتالهم تكلم أبو بكر فأحسن وتكلم عمر فأحسن ثم قام المقداد بن الأسود فقال " يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن أذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى " برك الغماد " " بفتح باء برك وغين الغماد ومعجمة مكسورة موضع باليمن بعيدا جدا عن مكة " لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه . ثم قال رسول الله A " أشيروا علي أيها الناس " وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يومئذ " إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فانك في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا " فكان رسول الله يتخوف أن يكون الأنصار لا يرون نصره إلا ممن دهمه بالمدينة وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم فلما قال رسول الله A أشيروا علي قال له سعد بن معاذ " والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا أنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك بنا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله " فسر رسول الله A ثم قال سيروا وابشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين " أي ولم يخص وعد النصر بتلقي العير فقد " فما كان بعد ذلك إلا أن زال من نفوس المؤمنين الكارهين للقتال ما كان في قلوبهم من الكراهية وقوله و ( أن فريقا من المؤمنين لكارهون ) في موضع الحال من الإخراج الذي أفادته ( ما ) المصدرية وهؤلاء هم الذين تثاقلوا وقت العزم على الخروج من المدينة والذين اختاروا العير دون النفير حين استشارة وادي ذفران لأن ذلك كله مقترن بالخروج لأن الخروج كان ممتدا في الزمان فجملة الحال من قوله ( وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) حال مقارنة لعاملها وهو ( أخرجك ) .
وتأكيد خبر كراهية فريق من المؤمنين بإن ولام الابتداء مستعمل في التعجيب من شأنهم بتنزيل السامع غير المنكر لوقوع الخبر منزلة المنكر لأن وقوع ذلك مما شأنه أن لا يقع إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول A أو التفويض إليه وما كان ينبغي لهم أن يكرهوا لقاء العدو . ويستلزم هذا التنزيل التعجيب من حال المخبر عنهم بهذه الكراهية فيكون تأكيد الخبر كناية عن التعجيب من المخبر عنهم .
وجملة ب ( جادلونك ) حال من ( فريقا ) فالضمير لفريق باعتبار معناه لأنه يدل على جمع . وصيغة المضارع لحكاية حال المجادلة زيادة في التعجيب منها وهذا التعجيب كالذي في قوله تعالى ( يجادلنا ) من قوله : ( فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ) إذ قال ( يجادلنا ) ولم يقل ( جادلنا ) .
وقوله و ( بعد ما تبين ) لوم لهم على المجادلة في الخروج الخاص وهو الخروج للنفير وترك العير بعد أن تبين أي ظهر أن الله قدر لهم النصر وهذا التبين هو بين في ذاته سواء شعر به كلهم أو بعضهم فانه بحيث لا ينبغي الاختلاف فيه فانهم كانوا عربا أذكياء وكانوا مؤمنين أصفياء وقد أخبرهم النبي A بان الله ناصرهم على إحدى الطائفتين : طائفة العير أو طائفة النفير فنصرهم إذن مضمون ثم أخبرهم بأن العير قد أخطاتهم وقد بقي النفير فكان بينا أنهم إذا لقوا النفير ينصرهم الله عليه ثم رأوا كراهية النبي A لما اختاروا العير فكان ذلك كافيا في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم لا محالة ولكنهم فضلوا غنيمة العير على خضد شوكة أعدائهم ونهوض شوكتهم بنصر بدر فذلك معنى تبين الحق أي رجحان دليله في ذاته ومن خفي عليه هذا التبيين من المؤمنين لم يعذره الله في خفائه عليه .
A E