وأسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الله على طريقة الإجمال دون بيان لكيفية إلقائه وكل ما يقع في العالم هو من تقدير الله على حسب إرادته . وأشار ذلك إلى أنه رعب شديد قدره الله على كيفية خارقة للعادة فإن خوارق العادات قد تصدر من القوى الشيطانية بإذن الله وهو ما يسمى في اصطلاح المتكلمين بالإهانة وبالاستدراج ولا حاجة إلى قصد تحقير الشيطان بإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قصد تشريف الملائكة لأن إلقاء الرعب في قلوب المشركين يعود بالفائدة على المسلمين فهو مبارك أيضا . وإنما كان إلقاء الرعب في قلوب المشركين خارق عادة لأن أسباب ضده قائمة وهي وفرة عددهم وعددهم وأقدامهم على الخروج إلى المسلمين وحرصهم على حماية أموالهم التي جاءت بها العير .
فجملة ( سألقي في قلوب الذين كفروا ) مستأنفة استئنافا ابتدائيا إخبارا لهم بما يقتضي التخفيف عليهم في العمل الذي كلفهم الله به بأن الله كفاهم تخذيل الكافرين بعمل آخر غير الذي كلف الملائكة بعمله فليست جملة ( سألقي ) مفسرة لمعنى ( أني معكم ) .
ولم يقل سنلقي لئلا يتوهم أن للملائكة المخاطبين سببا في إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا كما علمت آنفا .
وتفريع ( فاضربوا فوق الأعناق ) على جملة ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) المفرعة هنا أيضا على جملة ( فثبتوا الذين آمنوا ) في المعنى يؤذن بما اقتضته جملة ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) من تخفيف عمل الملائكة عليهم بعض التخفيف الذي دل عليه إجمالا قوله ( أني معكم ) كما تقدم ( فوق الأعناق ) على الظرفية لأضربوا .
و ( الأعناق ) أعناق المشركين وهو بين من السياق . واللام فيه والمراد بعض الجنس بالقرينة للجنس أو عوض عن المضاف إليه بقرينة قوله بعد ( واضربوا منهم كل بنان ) .
والبنان اسم جمع بنانة وهي الإصبع وقيل طرف الإصبع وإضافة كل إليه لاستغراق أصحابها .
وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين وضرب البنان يبطل صلاحية المضروب للقتال لأن تناول السلاح إنما يكون بالأصابع ومن ثم كثر في كلامهم الاستغناء بذكر ما تتناوله اليد أو ما تتناوله الأصابع عن ذكر السيف قال النابغة : .
وأن تلادي أن نظرت وشكتي ... ومهري وما ضمت إلي الأنامل يعني سيفه .
وقال آبو الغول الطهوي : .
فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني يريد السيف ومثل ذلك كثير في كلامهم فضرب البنان يحصل به تعطيل عمل اليد فإذا ضربت اليد كلها فذلك أجدر .
وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة وقد ورد في بعض الآثار عن بعض الصحابة ما يشهد لهذا المعنى فإسناد الضرب حقيقة . ويجوز أن يكون بتسديد ضربات المسلمين وتوجيه المشركين إلى جهاتها فإسناد الضرب إلى الملائكة مجاز عقلي لأنهم سببه وقد قيل : الأمر بالضرب للمسلمين وهو بعيد لأن السورة نزلت بعد انكشاف الملحمة .
وجملة ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) تعليل لأن الباء في قوله ( بأنهم ) باء السببية فهي تفيد معنى التعليل ولهذا فصلت الجملة .
والمخاطب بهذه الجملة : إما الملائكة فتكون من جملة الموحى به إليهم إطلاعا لهم على حكمة فعل الله تعالى لزيادة تقريبهم ولا يريبك إفراد كاف الخطاب في اسم الإشارة لأن الأصل في الكاف مع اسم الإشارة الإفراد والتذكير وإجراؤها على حسب حال المخاطب بالإشارة جائز وليس بالمتعين وإما من تبلغهم الآية من المشركين الأحياء بعد يوم بدر ولذا فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله . والقول في إفراد الكاف هو إذ الخطاب لغير معين والمراد نوع خاص ويجوز أن يكون المخاطب به النبي A .
والمشار إليه ما أمروا به من ضرب الأعناق وقطع البنان .
وإفراد اسم الإشارة بتأويله بالمذكور وتقدم غير مرة .
A E