ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على جملة ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) أي ينفرع على النهي عن أن تولوا المشركين الأدبار تنبيهكم إلى أن الله هو الذي دفع المشركين عنكم وأنتم أقل منهم عددا وعدة والتفريع بالفاء تفريع العلة على المعلول فان كون قتل المشركين ورميهم حاصلا من الله لأمن المسلمين يفيد تعليلا وتوجيها لنهيهم عن أن يولوهم الأدبار ولأمرهم الصبر والثبات وهو تعريض بضمان تأييد الله إياهم أن امتثلوا لقوله ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) فانهم إذا امتثلوا ما أمرهم الله كان الله ناصرهم وذلك يؤكد الوعيد على تولية الأدبار لأنه يقطع عذر المتولين والفارين ولذلك قال الله تعالى في وقعة أحد ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ) .
وإذ قد تضمنت الجملة إخبارا عن حالة أفعال فعلها المخاطبون كان المقصود أعلامهم بنفي ما يظنونه من أن حصول قتل المشركين يوم بدر كان بأسباب ضرب سيوف المسلمين فأنباهم أن تلك السيوف ما كان يحق لها أن تؤثر ذلك التأثير المصيب المطرد العام الذي حل بأبطال ذوي شجاعة وذوي شوكة وشكة وإنما كان ضرب سيوف المسلمين صوريا أكرم الله المسلمين بمقارنته فعل الله تعالى الخارق للعادة فالمنفي هو الضرب الكائن سبب القتل في العادة وبذلك كان القتل الحاصل يومئذ معجزة للرسول A وكرامة لأصحابه وليس المنفي تأثير الضرب في نفس الأمر بناء على القضاء والقدر لأنه لو كان ذلك لم يكن للقتل الحاصل يوم بدر مزية على أي قتل يقع بالحق أو بالباطل في جاهلية أو إسلام وذلك سياق الآية الذي هو تكريم المسلمين وتعليل نهيهم عن الفرار إذا لقوا .
وليس السياق لتعليم العقيدة الحق .
وأصل الخبر المنفي أن يدل على انتفاء صدور المسند عن المسند إليه لا أن يدل على انتفاء وقوع المسند أصلا فلذلك صح النفي في قوله ( فلم تقتلوهم ) مع كون القتل حاصلا وإنما المنفي كونه صادرا عن أسبابهم .
ووجه الاستدراك المفاد بلكن أن الخبر نفى أن يكون القتل الواقع صادرا عن المخاطبين فكان السامع بحيث يتطلب أكان القتل حقيقة أم هو دون القتل ومن كان فاعلا له فاحتيج إلى الاستدراك بقوله ( ولكن الله قتلهم ) .
وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله ( ولكن الله قتلهم ) دون أن يقال ولكن قتلهم الله لمجرد الاهتمام لا الاختصاص لأن نفي اعتقاد المخاطبين انهم القاتلون قد حصل من جملة النفي فصار المخاطبون متطلبين لمعرفة فاعل قتل المشركين فكان مهما عندهم تعجيل العلم به .
( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) A E استطراد بذكر تأييد إلا هي آخر لم يجر له ذكر في الكلام السابق وهو إشارة إلى ما ذكره المفسرون وابن إسحاق أن رسول الله A بعد أن حرض المؤمنين على القتال يوم بدر أتاه جبريل فقال خذ قبضة من تراب فارمهم بها فاخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها المشركين ثم قال " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها ثم أمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة على المشركين وقال غيره لم يبق مشرك إلا أصابه شيء من الحصا في عينيه فشغل بعينيه فانهزموا فلكون الرمي قصة مشهورة بينهم حذف مفعول الرمي في المواضع الثلاثة وهذا أصح الروايات والمراد بالرمي رمي الحصباء في وجوه المشركين يوم بدر وفيه روايات أخرى لا تناسب مهيع السورة فالخطاب في قوله ( رميت ) للنبي A .
والرمي حقيقته إلقاء شيء أمسكته اليد ويطلق الرمي على الإصابة بسوء من فعل أو قول كما في قول النابغة .
" رمى الله في تلك الأكف الكوانع أي أصابها بما يشلها - وقول جميل .
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوازح
