وفي هذا رجوع إلى الأمر بالطاعة الذي افتتحت به السورة في قوله ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) رجوع الخطيب إلى مقدمة كلامه ودليله ليأخذها بعد الاستدلال في صورة نتيجة أسفر عنها احتجاجه لأن مطلوب القياس هو عين النتيجة فإنه لما ابتدأ فأمرهم بطاعة الله ورسوله بقوله ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) في سياق ترجيح ما أمرهم به الرسول E على ما تهواه أنفسهم وضرب لهم مثلا لذلك بحادثة كراهتهم الخروج إلى بدر في بدء الأمر ومجادلتهم للرغبة في عدمه ثم حادثة اختيارهم لقاء العير دون لقاء النفير خشية الهزيمة وما نجم عن طاعتهم الرسول E ومخالفتهم هواهم ذلك من النصر العظيم والغنم الوفير لهم مع نزارة الرزء ومن التأييد المبين للرسول A والتأسيس لإقرار دينه " ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل " وكيف أمدهم الله بالنصر العجيب لما أطاعوه وانخلعوا عن هواهم وكيف هزم المشركين لأنهم شاقوا الله ورسوله . والمشاقة ضد الطاعة تعريضا للمسلمين بوجوب التبرؤ مما فيه شائبة عصيان الرسول A ثم أمرهم بأمر شديد على النفوس إلا وهو ( إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) وأظهر لهم ما كان من عجيب النصر لما ثبتوا كما أمرهم الله ( هزم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) وضمن لهم النصر إن هم أطاعوا الله ورسوله وطلبوا من الله النصر أعقب ذلك بإعادة أمرهم بأن يطيعوا الله ورسوله ولا يتولوا عنه فذلكة للمقصود من الموعظة الواقعة بطولها عقب قوله ( هزم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) وذلك كله يقتضي فصل الجملة عما قبلها ولذلك افتتحت ب ( يا أيها الذين آمنوا ) .
وافتتاح الخطاب بالنداء للاهتمام بما سيلقى إلى المخاطبين قصدا لإحضار الذهن لوعي ما سيقال لهم فنزل الحاضر منزلة البعيد فطلب حضوره بحرف النداء الموضوع لطلب الإقبال .
والتعريف بالموصولية في قوله ( يا أيها الذين آمنوا ) للتنبيه على أن الموصوفين بهذه الصلة من شأنهم أن يتقبلوا ما سيؤمرون به وأنه كما كان الشرك مسببا لمشاقة لله ورسوله في قوله ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) فخليق بالإيمان أن يكون باعثا على طاعة الله روسوله فقوله هنا ( يا أيها الذين آمنوا ) يساوي قوله في الآية المردود إليها ( إن كنتم مؤمنين ) مع الإشارة هنا إلى تحقق وصف الإيمان فيهم وان إفراغه في صورة الشرط في الآية السابقة ما قصد منه إلا شحذ العزائم وبذلك انتظم هذا الأسلوب البديع في المحاورة من أول السورة إلى هنا انتظاما بديعا معجزا .
والطاعة امتثال والنهي .
والتولي الانصراف وتقدم آنفا وهو مستعار هنا للمخالفة والعصيان .
وإفراد الضمير المجرور بعن لأنه راجع إلى الرسول إذ هذا المناسب A للتولي بحسب الحقيقة فإفراد الضمير هنا يشبه ترشيح الاستعارة وقد علم أن النهي عن التولي عن الرسول نهي عن الإعراض عن أمر الله لقوله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) . وأصل تولوا تتولوا بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا .
وجملة ( وأنتم تسمعون ) في موضع الحال من ضمير ( تولوا ) والمقصود من هذه الحال تشويه التولي المنهي عنه فان العصيان مع توفر أسباب الطاعة أشد منه في حين انخرام بعضها . فالمراد بالسمع هنا حقيقته أي في حال لا يعوزكم ترك التولي بمعنى الإعراض وذلك لان فأيده السمع العمل بالمسموع فمن سمع الحق ولم يعلم به فهو الذي لا يسمع سواء في عدم الانتفاع بذلك المسموع ولما كان الأمر بالطاعة كلام يطاع ظهر موقع ( وأنتم تسمعون ) فلما كان الكلام الصادر من الله ورسوله من شأنه أن يقبله أهل العقول كان مجرد سماعه مقتضيا عدم التولي عنه ضمن تولى عنه بعد أن سمعه فأمر عجب ثم زاد في تشويه التولي عن الرسول A بالتحذير من التشبه بفئة ذميمة يقولون للرسول E : سمعنا وهم لا يصدقونه ولا يعلمون بما يأمرهم وينهاهم .
A E
