وانتقل إلى وصف حالة الأعراب من محسنهم ومسيئهم ومهاجرهم ومتخلفهم . وقوبلت صفات أهل الكفر والنفاق بأضدادها صفات المسلمين وذكر ما أعد لهم من الخير .
وذكر في خلال ذلك فضل أبي بكر . وفضل المهاجرين والأنصار .
والتحريض على الصدقة والتوبة والعمل الصالح .
والجهاد وأنه فرض على الكفاية . والتذكير بنصر الله المؤمنين يوم حنين بعد يأسهم .
والتنويه بغزوة تبوك وجيشها .
والذين تاب الله عليهم من المتخلفين عنها .
والامتنان على المسلمين بأن أرسل فيهم رسولا منهم جبله على صفات فيها كل خير لهم .
وشرع الزكاة ومصارفها والأمر بالفقه في الدين ونشر دعوة الدين . اعلم أنه قد ترك الصحابة الذين كتبوا المصحف كتابة البسملة قبل سورة براءة كما نبهت عليه عند الكلام على سورة الفاتحة . فجعلوا سورة براءة عقب سورة الأنفال بدون بسملة بينهما وتردد العلماء في توجيه ذلك . وأوضح الأقوال ما رواه الترمذي والنسائي عن ابن عباس قال : قلت لعثمان : " ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمان الرحيم . فقال عثمان : إن رسول الله كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول ضعوا هذه في السورة التي فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيها بقصتها وقبض رسول الله A ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمان الرحيم " .
A E ونشأ من هذا قول آخر : وهو أن كتبة المصاحف في زمن عثمان اختلفوا في الأنفال . وبراءة هل هما سورة واحدة أو هما سورتان فتركوا فرجة فصلا بينهما مراعاة لقول من عدهما سورتين ولم يكتبوا البسملة بينهما مراعاة لقول من جعلهما سورة واحدة وروى أبو الشيخ عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب : أنهم إنما تركوا البسملة في أولها لأن البسملة أمان وبشارة وسورة براءة نزلت بنبذ العهود والسيف فلذلك لم تبدأ بشعار الأمان وهذا إنما يجري على قول من يجعلون البسملة آية من أول كل سورة عدا سورة براءة ففي هذا رعي لبلاغة مقام الخطاب كما أن الخاطب المغضب يبدأ خطبته " بأما بعد " دون استفتاح . وشأن العرب وإذا كان بينهم عهد فأرادوا نقضه كتبوا إلى القوم الذين ينبذون إليهم بالعهد كتابا ولم يفتتحوه بكلمة " باسمك اللهم " فلما نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي A وبين المشركين بعث عليا إلى الموسم فقرأ صدر براءة ولم يبسمل جريا على عادتهم في رسائل نقض العهود . وقال ابن العربي في الأحكام : قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم : إنه لما سقط أولها أي سورة براءة سقط بسم الله الرحمان الرحيم معه . ويفسر كلامه ما قاله ابن عطية : روي عن مالك أنه قال : بلغنا أن سورة براءة كانت نحو سورة البقرة ثم نسخ ورفع كثير منها وفيه البسملة فلم يروا بعد أن يضعوه في غير موضعه . وما نسبه ابن عطية إلى مالك عزاه ابن العربي إلى ابن عجلان فلعل في نسخة تفسير ابن عطية نقصا . والذي وقفنا عليه من كلام مالك في ترك البسملة من سورة الأنفال وسورة براءة : هو ما في سماع ابن القاسم في أوائل كتاب الجامع الأول من العتبية " قال مالك في أول براءة إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة بسم الله الرحمان الرحيم كأنه رآه من وجه الاتباع في ذلك كانت في آخر ما نزل من القرآن . وساق حديث ابن شهاب في سبب كتابة المصحف في زمن أبي بكر وكيف أخذ عثمان الصحف من حفصة أم المؤمنين وأرجعها إليها . قال ابن رشد في البيان والتحصيل " ما تأوله مالك من أنه إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة بسم الله الرحمان الرحيم من وجه الاتباع المعنى فيه والله أعلم أنه إنما ترك عثمان بن عفان ومن كان بحضرته من الصحابة المجتمعين على جمع القرآن البسملة بين سورة الأنفال وبراءة وإن كانتا سورتين بدليل أن براءة كانت آخر ما أنزل الله من القرآن وأن الأنفال أنزلت في بدر سنة أربع اتباعا لما وجدوه في الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر وكانت عند حفصة " . ولم يذكر ابن رشد عن مالك قولا غير هذا
