وبعض هذه العهود كان لغير أجل معين وبعضها كان لأجل قد انقضى وبعضها لم ينقض اجله . فقد كان صلح الحديبية مؤجلا إلى عشر سنين في بعض الأقوال وقيل : إلى أربع سنين وقيل : إلى سنتين . وقد كان عهد الحديبية في ذي القعدة سنة ست فيكون قد انقضت مدته على بعض الأقوال ولم ينقض على بعضها حين نزول هذه الآية . وكانوا يحسبون أنه على حكم بالاستمرار وكان بعض تلك العهود مؤجلا إلى أجل لم يتم ولكن المشركين خفروا بالعهد في ممالاة بعض المشركين غير العاهدين وفي إلحاق الأذى بالمسلمين فقد ذكر أنه لما وقعت غزوة تبوك أرجف المنافقون أن المسلمين غلبوا فنقض كثير من المشركين العهد وممن نقض العهد بعض خزاعة وبنو مدلج وبنو خزيمة أو جذيمة كما دل عليه قوله تعالى ( ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ) فأعلن الله لهؤلاء هذه البراءة ليأخذوا حذرهم وفي ذلك تضييق عليهم إن داموا على الشرك لأن الأرض صارت لأهل الإسلام كما دل عليه قوله تعالى بعد ( فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ) .
A E وإنما جعلت البراءة شأنا من شؤون الله ورسوله وأسند العهد إلى ضمير المسلمين : للإشارة إلى أن العهود التي عقدها النبي A لازمة للمسلمين وهي بمنزلة ما عقدوه بأنفسهم لأن عهود النبي E إنما كانت لمصلحة المسلمين في وقت عدم استجماع قوتهم وأزمان كانت بقية قوة للمشركين وإلا فإن أهل الشرك ما كانوا يستحقون من الله ورسوله توسعة ولا عهدا لأن مصلحة الدين تكون أقوم إذا شدد المسلمون على أعدائه فالآن لما كانت مصلحة الدين متحمضة في نبذ العهد الذي عاهده المسلمون المشركين أذن الله ورسوله A بالبراءة من ذلك العهد فلا تبعة على المسلمين في نبذه وإن كان العهد قد عقده النبي A ليعلموا أن ذلك توسعة على المسلمين على نحو ما جزى من المحاورة بين عمر بن الخطاب وبين النبي A يوم صلح الحديبية وعلى نحو ما قال الله تعالى في ثبات الواحد من المسلمين لاثنين من المشركين على أن في الكلام احتباكا لما هو معروف من أن المسلمين لا يعملون عملا إلا عن أمر من الله ورسوله فصار الكلام في قوة براءة من الله ورسوله ومنكم إلى الذين عاهدوا الله ورسوله وعاهدتم فالقبائل التي كان لها عهد مع المسلمين حين نزول هذه السورة قد جمعها كلها الموصول في قوله ( إلى الذين عاهدتم من المشركين ) . فالتعريف بالموصولية هنا لأنها أخصر طريق للتعبير عن المقصود مع الإشارة إلى أن هذه البراءة براءة من العهد ثم بين بعضها بقوله ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ) الآية .
( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) الفاء للتفريع على معنى البراءة لأنها لما أمر الله بالأذان بها كانت إعلاما للمشركين الذين هم المقصود من نقض العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين فضمير الخطاب في فعل الأمر معلوم منه أنهم الموجه إليهم الكلام وذلك التفات . فالتقدير : فليسيحوا في الأرض ونكتة هذا الالتفات إبلاغ الإنذار إليهم مباشرة .
ويجوز تقدير قول محذوف مفرع على البراءة من عهودهم أي فقل لهم : سيحوا في الأرض أربعة أشهر .
والسياحة حقيقتها السير في الأرض . ولما كان الأمر بهذا السير مفرعا على البراءة من العهد ومقررا لحرمة الأشهر الحرام علم أن المراد السير بأمن دون خوف في أي مكان من الأرض فكان المعنى : فسيحوا آمنين حيثما شئتم من الأرض .
وهذا تأجيل خاص بعد البراءة كان ابتداؤه من شوال وقت نزول براءة ونهايته نهاية محرم في آخر الأشهر الحرم المتوالية وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم . وهذا قول الجمهور قال ابن إسحاق : وأجل الناس أربعة اشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وقال بعضهم : هي أربعة أشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجة وتنتهي في عاشر ربيع الآخر فيكون قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) " أي من ذلك العام " تنهية لذلك الأجل روعي فيها المدة الكافية لرجوع الناس إلى بلادهم وذلك نهاية المحرم
