( والأكبر ) بالجر نعت للحج باعتبار تجزئته إلى أعمال فوصف الأعظم من تلك الأعمال بالأكبر ويظهر من اختلافهم في المراد من الحج الأكبر أن هذا اللفظ لم يكن معروفا قبل نزول هذه الآية فمن ثم اختلف السلف في المراد منه .
وهذا الكلام إنشاء لهذا الأذان موقتا بيوم الحج الأكبر فيؤول إلى معنى الأمر إذ المعنى آذنوا الناس يوم الحج الأكبر بأن الله ورسوله بريئان من المشركين .
والمراد ب ( الناس ) جميع الناس الذين ضمهم الموسم ومن يبلغه ذلك منهم : مؤمنهم ومشركهم . لأن هذا الأذان مما يجب أن يعلمه المسلم والمشرك إذ كان حكمه يلزم الفريقين .
وقوله ( أن الله بريء من المشركين ) يتعلق ب ( أذان ) بحذف حرف الجر وهو باء التعدية أي إعلام بهذه البراءة المتقدمة في قوله ( براءة من الله ورسوله ) فإعادتها هنا لأن هذا الإعلام للمشركين المعاهدين وغيرهم تقريرا لعدم غدر المسلمين والآية المتقدمة إعلام للمسلمين .
وجاء التصريح بفعل البراءة مرة ثانية دون ؟ إضمار ولا اختصار بأن يقال : وأذان إلى الناس بذلك أو بها أو بالبراءة : لأن المقام مقام بيان وإطناب لأجل اختلاف أفهام السامعين فيما يسمعونه ففيهم الذكي والغبي ففي الإطناب والإيضاح قطع لمعاذيرهم واستقصاء في الإبلاغ لهم .
A E وعطف ( ورسوله ) بالرفع عند القراء كلهم : لأنه من عطف الجملة لأن السامع يعلم من الرفع أن تقديره : ورسوله بريء من المشركين ففي هذا الرفع معنى بليغ من الإيضاح للمعنى مع الإيجاز في اللفظ وهذه نكتة قرآنية بليغة وقد اهتدى بها ضابئ بن الحارث في قوله : .
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب برفع " قيار " لأنه أراد أن يجعل غربة جمله المسمى " قيارا " غربة أخرى غير تابعة لغربته .
ومما يجب التنبيه له : ما في بعض التفاسير أنه روي عن الحسن قراءة ( ورسوله ) بالجر ولم تصح نسبتها إلى الحسن وكيف يتصور جر ( ورسوله ) ولا عامل بمقضي جره ولكنها ذات قصة طريفة : أن أعرابيا سمع رجلا قرأ ( أن الله بريء من المشركين ورسوله ) بجر ورسوله فقال الأعرابي : إن كان الله بريئا من رسوله فأنا منه بريء . وإنما أراد التورك على القارئ فلببه الرجل إلى عمر فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعلم العربية وروي أيضا أن أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي . فكان ذلك سبب وضع النحو وقد ذكرت هذه القصة في بعض كتب النحو في ذكر سبب وضع علم النحو .
وهذا الأذان قد وقع في الحجة التي حجها أبو بكر بالناس إذ ألحق رسول الله E علي بن أبي طالب بأبي بكر موافيا الموسم ليؤذن ببراءة فأذن بها على يوم النحر بمنى من أولها إلى ثلاثين أو أربعين آية منها كذا ثبت في الصحيح والسنن بطرق مختلفة يزيد بعضها على بعض . ولعل قوله " أو أربعين آية " شك من الراوي فما ورد في رواية النسائي أي عن جابر : أن عليا قرأ على الناس براءة حتى ختمها فلعل معناه حتى ختم ما نزل منها مما يتعلق بالبراءة من المشركين لأن سورة براءة لم يتم نزولها يومئذ فقد ثبت أن آخر آية نزلت على النبي A هي آخر آية من سورة براءة .
وإنما ألحق النبي E علي بن أبي طالب بأبي بكر الصديق لأنه قيل لرسول الله أن العرب لا يرون أن ينقض أحد عهده مع من عاهده إلا بنسفه أو برسول من ذي قرابة نسبه فأراد النبي E أن لا يترك للمشركين عذرا في علمهم بنبذ العهد الذي بينه وبينهم .
وروي : أن عليا بعث أبا هريرة يطوف في منازل قبائل العرب من منى يصيح بآيات براءة حتى صحل صوته . وكان المشركون إذا سمعوا ذلك يقولون لعلي " سترون بعد الأربعة الأشهر فإنه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلا الطعن والضرب " .
( فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) التفريع على جملة ( أن الله بريء من المشركين ) فيتفرع على ذلك حالتان : حالة التوبة وحالة التولي