وذكر كلما في جانب الإضاءة وإذا في جانب الإظلام لدلالة كلما على حرصهم على المشي وأنهم يترصدون الإضاءة فلا يفيتون زمنا من أزمان حصولها ليتبينوا الطريق في سيرهم لشدة الظلمة . وأضاء فعل يستعمل قاصرا ومتعديا باختلاف المعنى كما تقدم في قوله ( فلما أضاءت ما حوله ) .
A E وأظلم يستعمل قاصرا كثيرا ويستعمل متعديا قليلا والظاهر أن أضاء هنا متعد فمفعول أضاء محذوف لدلالة مشوا عليه وتقديره الممشى أو الطريق أي أضاء لهم البرق الطريق وكذلك أظلم أي وإذا أظلم عليهم البرق الطريق بأن أمسك وميضه فإسناد الإظلام إلى البرق مجاز لأنه تسبب في الإظلام . ومعنى القيام عدم المشي أي الوقوف في الموضع .
وقوله تعالى ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) مفعول شاء محذوف لدلالة الجواب عليه وذلك شأن فعل المشيئة والإرادة ونحوهما إذا وقع متصلا بما يصلح لأن يدل على مفعوله مثل وقوعه صلة لموصول يحتاج إلى خبر نحو ما شاء الله كان أي ما شاء كونه كان ومثل وقوعه شرطا للو لظهور أن الجواب هو دليل المفعول وكذلك إذا كان في الكلام السابق قبل فعل المشيئة ما يدل على مفعول الفعل نحو قوله تعالى ( سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ) قال الشيخ في دلائل الإعجاز : إن البلاغة في أن يجاء به كذلك محذوفا وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن وذلك نحو قول الشاعر " هو إسحاق الخريمي مولى بني خريم من شعراء عصر الرشيد يرثى أبا الهيذام الخريمي حفيده ابن ابن عمارة " .
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دما فلما كان كذلك كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في نفس السامع الخ كلامه وتبعه صاحب الكشاف وزاد عليه أنهم لا يحذفون في الشيء المستغرب إذ قال لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب الخ وهو مؤول بأن مراده أن عدم الحذف حينئذ يكون كثيرا . وعندي أن الحذف هو الأصل لأجل الإيجاز فالبليغ تارة يستغني بالجواب فيقصد البيان بعد الإبهام وهذا هو الغالب في كلام العرب قال طرفة : وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت . وتارة يبين بذكر الشرط أساس الإضمار في الجواب نحو البيت وقوله تعالى ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه ) ويحسن ذلك إذا كان في المفعول غرابة فيكون ذكره لابتداء تقريره كما في بيت الخريمي والإيجاز حاصل على كل حال لأن فيه حذفا إما من الأول أو من الثاني . وقد يوهم كلام أئمة المعاني أن المفعول الغريب يجب ذكره وليس كذلك فقد قال الله تعالى ( قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ) فإن إنزال الملائكة أمر غريب قال أبو العلاء المعري .
وإن شئت فازعم أن من فوق ظهرها ... عبيدك واستشهد إلهك يشهد فإن زعم ذلك زعم غريب .
والضمير في قوله ( بسمعهم وأبصارهم ) ظاهره أن يعودوا إلى أصحاب الصيب المشبه بحالهم حال المنافقين لأن الإخبار بإمكان إتلاف الأسماع والأبصار يناسب أهل الصيب المشبه بحالهم بمقتضى قوله ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) وقوله ( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) والمقصود أن الرعد والبرق الواقعين في الهيئة المشبه بها هما رعد وبرق بلغا منتهى قوة جنسيهما بحيث لا يمنع قصيف الرعد من إتلاف أسماع سامعيه ولا يمنع وميض البرق من إتلاف أبصار ناظريه إلا مشيئة الله عدم وقوع ذلك لحكمة وفائدة ذكر هذا في الحالة المشبهة بها أن يسري نظيره في الحالة المشبهة وهي حالة المنافقين فهم على وشك انعدام الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم انعداما تاما من كثرة عنادهم وإعراضهم عن الحق إلا أن الله لم يشأ ذلك استدراجا لهم وإملاء ليزدادوا إثما أو تلوما لهم وإعذارا لعل منهم من يثوب إلى الهدى وقد صيغ هذا المعنى في هذا الأسلوب لما فيه من التوجيه بالتهديد لهم أن يذهب الله سمعهم وأبصارهم من نفاقهم إن لم يبتدروا الإقلاع عن النفاق وذلك يكون له وقع الرعب في قلوبهم كما وقع لعتبة بن ربيعة لما قرأ عليه النبي A ( فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) .
A E