وسموا ما طلبوا الإتيان به قرآنا لأنه عوض عن المسمى بالقرآن فإن القرآن علم على الكتاب الذي جاء به محمد A أي ائت بغير هذا مما تسميه قرآنا .
والضمير في ( بدله ) عائد إلى اسم الإشارة أي أو بدل هذا .
وأجمل المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين .
ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جدا ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء وعلى الاحتمالين فقد أمر الله نبيه A بأن يجيبهم بما يقلع شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم فيحسبوا كلامهم جدا فيترقبوا تبديل القرآن .
وضمير الغيبة في قوله ( وإذا تتلى عليهم ) راجع إلى الناس المراد منهم المشركون أو راجع إلى ( الذين لا يرجون لقاءنا ) في قوله ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ) .
وتقديم الظرف في قوله ( إذا تتلى ) على عامله وهو ( قال الذين لا يرجون لقاءنا ) للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه هذا القول تعجيبا من كلامهم ووهن أحلامهم .
ولكون العامل في الظرف فعلا ماضيا علم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو ( تتلى ) دالة على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون الماضي واقعا في الحال أو الاستقبال فتعين أن اجتلاب الفعل المضارع لمجرد الدلالة على التكرر والتجدد أي ذلك قولهم كلما تتلى عليهم الآيات .
A E وما صدق ( الذين لا يرجون لقاءنا ) هو ما صدق الضمير في قوله ( عليهم ) فكان المقام للإضمار فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلم عليهم . كما أشرنا إليه عند قوله آنفا ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ) وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقة تعليل فلا يكون الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر .
ولما كان لاقتراحهم معنى صريح وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجود ومعنى التزامي كنائي وهو أنه غير منزل من عند الله وان الذي جاء به غير مرسل من الله كان الجواب عن قولهم جوابين أحدهما : ما لقنه الله بقوله ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) وهو جواب عن صريح اقتراحهم وثانيهما : ما لقنه بقوله ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ) وهو جواب عن لازم كلامهم .
وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة : عبد الله بن أمية والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس والعاص ابن عامر قالوا للنبي A ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللات والعزى ومناة وهبل وليس فيه عيبها .
وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاما جامعا قضاء لحق الإيجاز البديع وتعويلا على أن السؤال يبين المراد من الجواب فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول A . وهذا جواب كاف لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه . على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعا كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع .
وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو ( ما يكون لي أن أبدله ) أي ما يكون التبديل ملكا بيدي .
و ( تلقاء ) صيغة مصدر على وزن التفعال . وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء وتبيان وتمثال بمعنى اللقاء والبيان والمثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقا كقوله تعالى ( ولما توجه تلقاء مدين ) . فمعنى ( من تلقاء نفسي ) من جهة نفسي . وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة ( ما يكون لي أن أبدله ) وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدل من تلقاء الله تعالى التبديل الذي يرومونه فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف .
وجملة ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) تعليل لجملة ( ما يكون لي أن أبدله ) أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير . و ( ما ) مصدرية . واتباع الوحي : تبليغ الحاصل به وهو الموصى به .
والاتباع مجاز في عدم التصرف بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي
