وهي السورة الحادية والسبعون في ترتيب النزول نزلت بعد حم السجدة وقبل سورة النحل فتكون من أواخر السور النازلة قبل الهجرة . ولعلها نزلت بعد إسلام من أسلم من أهل المدينة كما يقتضيه قوله تعالى : ( وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) كما سيأتي بيانه غير أن ما رواه ابن إسحاق عن ابن عباس أن قوله تعالى في سورة الزخرف : ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) أن المراد بضرب المثل هو المثل الذي ضربه ابن الزبعري لما نزل قوله تعالى : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) كما يأتي يقتضي أن سورة الأنبياء نزلت قبل سورة الزخرف . وقد عدت الزخرف ثانية وستين في النزول .
وعدد آيها في عد أهل المدينة ومكة والشام والبصرة مائة وإحدى عشر وفي عد أهل الكوفة مائة واثنتا عشرة .
أغراض السورة .
والأغراض التي ذكرت في هذه السور هي : الإنذار بالبعث وتحقيق وقوعه وإنه لتحقق وقوعه كان قريبا .
وإقامة الحجة عليه بخلق السماوات والأرض عن عدم وخلق الموجودات من السماء .
التحذير من التكذيب بكتاب الله تعالى ورسوله .
والتذكير بأن هذا الرسول A ما هو إلا كأمثاله من الرسل وما جاء إلا بمثل ما جاء به الرسل من قبله .
وذكر كثير من أخبار الرسل " عليهم السلام " .
والتنويه بشأن القرآن وأنه نعمة من الله على المخاطبين وشأن رسول الإسلام A وأنه رحمة للعالمين .
والتذكير بما أصاب الأمم السالفة من جراء تكذيبهم رسلهم وأن وعد الله للذين كذبوا واقع ولا يغرهم تأخيره فهو جاء لا محالة .
وحذرهم من أن يغتروا بتأخيره كما اغتر الذين من قبلهم حتى أصابهم بغتة وذكر من أشراط الساعة فتح يأجوج ومأجوج .
وذكرهم بما في خلق السماوات والأرض من الدلالة على الخالق .
ومن الإيماء إلى أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أتقن وأحكم لتجزي كل نفس بما كسبت وينتصر الحق على الباطل .
ثم ما في ذلك الخلق من الدلائل على وحدانية الخالق إذا لا يستقيم هذا النظام بتعدد الآلهة .
وتنزيه الله تعالى عن الشركاء وعن الأولاد والاستدلال على وحدانية الله تعالى .
وما يكرهه على فعل ما لا يريد .
وأن جميع المخلوقات صائرون إلى الفناء .
وأعقب ذلك تذكيرهم بالنعمة الكبرى عليهم وهي نعمة الحفظ .
ثم عطف الكلام إلى ذكر الرسل والأنبياء .
وتنظير أحوالهم وأحوال أممهم بأحوال محمد A وأحوال قومه .
وكيف نصر الله الرسل على أقوامهم واستجاب دعواتهم .
وأن الرسل كلهم جاءوا بدين الله وهو دين واحد في أصوله قطعه الضالون قطعا .
وأثنى على الرسل وعلى من آمنوا بهم .
A E وأن العاقبة للمؤمنين في خير الدنيا وخير الآخرة وأن الله سيحكم بين الفريقين بالحق ويعين رسله على تبليغ شرعه .
( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون [ 1 ] ) افتتاح الكلام بهذه الجملة أسلوب بديع في الافتتاح لما فيه من غرابة الأسلوب وإدخال الروع على المنذرين فإن المراد بالناس مشركو مكة ولاقتراب مبالغة في القرب فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في تحقيق الفعل أي اشتد قرب وقوعه بهم .
وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية شبه حال إظلال الحساب لهم بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة محسوسة وهي هيئة المغير والمعجل في الإغارة على القوم فهو يلح في السير تكلفا للقرب من ديارهم وهم غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما يكون قوم غارين معرضين عن اقتراب العدو منهم فالكلام تمثيل .
والمراد من الحساب إما يوم الحساب ومعنى اقترابه أنه قريب عند الله لأنه محقق الوقوع . أو قريب بالنسبة إلى ما مضى من مدة بقاء الدنيا كقول النبي A : " بعثت أنا والساعة كهاتين " أو اقترب الحساب كناية عن اقتراب موتهم لأنهم إذا ماتوا رأوا جزاء أعمالهم . وذلك من الحساب . وفي هذا تعريض بالتهديد لقرب هلاكهم وذلك بفنائهم يوم بدر .
أو المراد بالحساب المؤاخذة بالذنب كما في قوله تعالى : ( إن حسابهم إلا على ربي ) وعليه فالاقتراب مستعمل في حقيقته أيضا فهو من استعمال اللفظ في حقيته ومجازه
