شبهوا بزرع حصد أي بعد أن كان قائما على سوقه خضرا فهو يتضمن تشبيههم قبل هلاكهم بزرع في حسن المنظر والطلعة كما شبه بالزرع في قوله تعالى ( كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ) في سورة الفتح . ويقال للناشئ : أنبته الله نباتا حسنا قال تعالى : ( وأنبتها نباتا حسنا ) في سورة آل عمران . فللإشارة إلى الشبهين شبه البهجة وشبه الهلك أوثر تشبيههم حين هلاكهم بالحصيد .
وكذلك شبهوا حين هلاكهم بالنار الخامدة فتضمن تشبيههم قبل ذلك بالنار المشبوبة في القوة والبأس كما شبه بالنار في قوله تعالى ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) في سورة المائدة وقوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) في سورة البقرة . فحصل تشبيهان بليغان وليسا باستعارتين مكنيتين لأن ذكر المشبه فيهما مانع من تقوم حقيقة الاستعارة خلافا للعلامتين التفتزاني والجرجاني في شرحيهما للمفتاح متمسكين بصيغة جمعهم في قوله تعالى ( جعلناهم ) فجعلا ذلك استعارتين مكنيتين إذ شبهوا بزرع حين انعدامه ونار ذهبت قوتها وحذف المشبه بهما ورمز إليهما بلازم كل منهما وهو الحصد والخمود فكان ( حصيدا ) وصفا في المعنى للضمير المنصوب في جعلناهم ) فالحصيد هنا وصف ليس منزلا منزلة الجامد كالذي في قوله تعالى ( وحب الحصيد ) وبذلك لم يكن قوله تعالى ( حصيدا ) من قبيل التشبيه البليغ إذ لم يشبهوا بحصيد زرع بل أثبت لهم أنهم محصودون استعارة مكنية مثل نظيره في قوله تعالى ( خامدين ) الذي هو استعارة لا محالة كما هو مقتضى مجيئه بصيغة الجمع المذكر ومبنى الاستعارة على تناسي التشبيه . وهذا تكلف منهما ولم أدر ماذا دعاهما إلى ارتكاب هذا التكلف .
وانتصب ( حصيدا خامدين ) على أن كليهما مفعول ثان مكرر لفعل الجعل كما يخبر عن المبتدأ بخبرين وأكثر فإن مفعولي ( جعل ) أصلهما المبتدأ والخبر وليس ثانيهما وصفا لأولهما كما هو ظاهر .
( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين [ 16 ] لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين [ 17 ] ) كثر في القرآن الاستدلال بإيقان نظام خلق السماوات والأرض وما بينهما على أن لله حكمة في خلق المخلوقات وخلق نظمها وسننها وفطرها بحيث تكون أحوالها وآثارها وعلاقة بعضها ببعض متناسبة مجارية لما تقتضيه الحكمة ولذلك قال تعالى في سورة الحجر : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) . وقد بينا هنالك كيفية ملابسة الحق لكل أصناف المخلوقات وأنواعها بما يغني عن إعادته هنا .
A E وكثر أن ينبه القرآن العقول إلى الحكمة التي اقتضت المنسبة بين خلق ما قي السماوات والأرض ملتبسا بالحق وبين جزاء المكلفين على أعمالهم على القانون الذي أقامته الشرائع لهم في مختلف أجيالهم وعصورهم وبلدانهم إلى أن عمتهم الشريعة العامة الخاتمة شريعة الإسلام والى الحكمة التي اقتضت تكوين حياة أبدية تلقي فيها النفوس جزاء ما قدمته في هذه الحياة الزائلة جزاء وفاقا .
فلذلك كثر أن تعقب الآيات المبينة لما في الخلق من الحق بالآيات التي تذكر الجزاء والحساب والعكس كقوله تعالى : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) في آخر سورة المؤمنين وقوله تعالى : ( وما خلقنا السماوات وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ) آخر الحجر وقوله تعالى ( إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل اللذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) في سورة ص وقوله تعالى ( أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون لأن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ) في سورة الدخان وقوله تعالى : ( ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون ) في سورة الأحقاف إلى غير هذه الآيات