والليل والنهار : ظرفان . والأصل في الظرف أن يستوعبه الواقع فيه أي يسبحون في جميع الليل والنهار .
وتسبيح الملائكة بأصوات مخلوقة فيهم لا يعطلها تبليغ الوحي ولا غيره من الأقوال .
والفتور : الانقطاع عن الفعل .
( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون [ 21 ] ) ( أم ) هذه منقطعة عاطفة الجملة على الجملة عطف إضراب انتقالي هو انتقال من إثبات صدق الرسول A وحجية دلالة القرآن إلى إبطال الإشراك انتقالا من بقية الغرض السابق الذي تهيأ السامع للانتقال منه بمقتضى التخلص الذي في قوله تعالى ( وله من السماوات والأرض ومن عنده ) كما تقدم إلى التمحض لغرض إبطال الإشراك وإبطال تعدد الآلهة . وهذا الانتقال وقع اعتراضا بين جملة ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) وجملة ( لا يسأل عما يفعل ) وليس إضراب الانتقال بمقتض عدم الرجوع إلى الغرض المنتقل إليه و ( أم ) تؤذن بأن الكلام بعدها مسوق الاستفهام وهو استفهام إنكاري أنكر عليه اتخاذهم آلهة .
وضمير ( اتخذوا ) عائد إلى المشركين المتبادرين من المقام في مثل هذه الضمائر . وله نظائر كثيرة في القرآن . ويجوز جعله التفاتا عن ضمير ( ولكم الويل مما تصفون ) ويجوز أن يكون متناسقا مع ضمائر ( بل قالوا أضغاث أحلام ) وما بعده .
ووصف الآلهة بأنها من الأرض تهكم بالمشركين وإظهار لأفن رأيهم أي جعلوا لأنفسهم آلهة من عالم الأرض أو مأخوذة من أجزاء الأرض من حجارة أو خشب تعريضا بأن ما كان مثل ذلك لا يستحق أن يكون معبودا كما قال إبراهيم " عليه السلام " ( أتعبدون ما تنحتون ) في الصافات .
وذكر الأرض هنا مقابلة لقوله تعالى ( ومن عنده ) لأن المراد أهل السماء وجملة ( هم ينشرون ) صفة ثانية ل ( آلهة ) .
واقترانها بضمير الفصل يفيد التخصيص أن لا ينشر غير تلك الآلهة .
A E والمراد : إنشار الأموات أي بعثهم . وهذا مسوق للتهكم وإدماج لإثبات البعث بطريقة سوق غيره المسمى بتجاهل المعارف إذ أبرز تكذيبهم بالبعث الذي أخبرهم الله على لسان محمد A في صورة تكذيبهم استطاعة الله ذلك وعجزه عنه أي أن الأولى بالقدرة على البعث شركاؤهم فكأن وقوع البعث أمر لا ينبغي النزاع فيه فإن نازع فيه المنازعون فإنما ينازعون في نسبته إلى الله ويرومون بذلك نسبته إلى شركائهم فأنكرت عليهم هذه النسبة على هذه الطريقة المفعمة بالنكت والمشركون لم يدعوا لآلهتهم أنها تبعث الموتى ولا هم معترفون بوقوع البعث ولكن نزلوا منزلة من يزعم ذلك إبداعا في الإلزام . ونظيره قوله تعالى في سورة النحل في ذكر الآلهة ( أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ) .
( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون [ 22 ] ) جملة مبنية للإنكار الذي في قوله تعالى ( أم اتخذوا آلهة ) ولذلك فصلت ولم تعطف .
وضمير المثنى عائد إلى ( السماوات والأرض ) من قوله تعالى : ( وله من في السماوات والأرض ) أي لو كان في السماوات والأرض آلهة أخرى ولم يكن جميع من فيها ملكا لله وعبادا له لفسدت السماوات والأرض واختل نظامها الذي خلقتا به .
وهذا استدلال على بطلان عقيدة المشركين إذ زعموا أن الله جعل آلهة شركاء له في تدبير الخلق أي أنه بعد أن خلق السماوات والأرض أقام في الأرض شركاء له ولذلك كانوا يقولون في التلبية في الحج " لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك " وذلك من الضلال المضطرب الذي وضعه لهم أئمة الكفر بجهلهم وترويج ضلالهم على عقول الدهماء .
وبذلك يتبين أن هذه الآية استدلال على استحالة وجود آلهة غير الله بعد خلق السماوات والأرض لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله خالق السماوات والأرض قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) في سورة الزمر وقال تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ) في سورة الزخرف . فهي مسوقة لإثبات الوحدانية لا لإثبات وجود الصانع إذ لا نزاع فيه عند المخاطبين ولا لإثبات انفراده بالخلق إذ لا نزاع فيه كذلك ولكنها منتظمة على ما يناسب اعتقادهم الباطل لكشف خطئهم وإعلان باطلهم
