وجملة ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ) مبينة لجملة ( إن يتخذونك إلا هزوا ) فهي في معنى قول محذوف دل عليه ( إن يتخذونك إلا هزوا ) لأن الاستهزاء يكون بالكلام . وقد انحصر اتخاذهم إياه عند رؤيته في الاستهزاء به دون أن يخلطوه بحديث آخر في شأنه .
والاستفهام مستعمل في التعجيب واسم الإشارة مستعمل في التحقير بقرينة الاستهزاء .
ومعنى ( يذكر آلهتكم ) يذكرهم بسوء بقرينة المقام لأنهم يعلمون ما يذكر به آلهتهم مما يسوءهم فإن الذكر يكون بخير وبشر فإذا لم يصرح بمتعلقه يصار إلى القرينة كما هنا في قوله تعالى الآتي ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم ) . وكلامهم مسوق مساق الغيظ والغضب ولذلك أعقبه الله بجملة الحال وهي ( وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) أي يغضبون من أن تذكر آلهتهم بما هو كشف لكنهها المطابق للواقع في حال غفلتهم عن ذكر الرحمان الذي هو الحقيق بأن يذكروه . فالذكر الثاني مستعمل في الذكر بالثناء والتمجيد بقرينة المقام . والأظهر أن المراد بذكر الرحمان هنا القرآن أي الذكر الوارد من الرحمان . والمناسبة الانتقال من ذكر إلى ذكر . ومعنى كفرهم بذكر الرحمان إنكارهم أن يكون القرآن آية دالة على صدق الرسول A فقالوا ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) . وأيضا كفرهم بما جاء به القرآن من إثبات البعث .
وعبر عن الله تعالى باسم ( الرحمن ) توركا عليهم إذ كانوا يأبون أن يكون الرحمان اسما لله تعالى ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ) في سورة الفرقان .
وضمير الفصل في قوله تعالى ( هم كافرون ) يجوز أن يفيد الحصر أي هم كافرون بالقرآن دون غيرهم ممن أسلم من أهل مكة وغيرهم من العرب لإفادة أن هؤلاء باقون على كفرهم مع توفر الآيات والنذر .
ويجوز أن يكون الفصل لمجرد التأكيد تحقيقا لدوام كفرهم مع ظهور ما شأنه أن يقلعهم عن الكفر .
( خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون [ 37 ] ) جملة ( خلق الإنسان من عجل ) معترضة بين جملة ( وإذا رآك الذين كفروا ) وبين جملة ( سأريكم آياتي ) جعلت مقدمة لجملة ( سأريكم آياتي ) . أما جملة ( سأريكم آياتي ) فهي معترضة بين جملة ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ) وبين جملة ( ويقولون متى هذا الوعد ) لأن قوله تعالى ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ) يثير في نفوس المسلمين تساؤلا عن مدى إمهال المشركين فكان قوله تعالى ( سأريكم آياتي فلا تستعجلون ) استئنافا بيانيا جاء معترضا بين الجمل التي تحكي أقوال المشركين وما تفرع عليها . إلى المسلمين الذين كانوا يستبطئون حلول الوعيد الذي توعد الله تعالى به المكذبين .
ومناسبة موقع الجملتين أن ذكر استهزاء المشركين بالنبي ( E ) يهيج حنق المسلمين عليهم فيودوا أن ينزل بالمكذبين الوعيد عاجلا فخوطبوا بالتريث وأن لا يستعجلوا ربهم لأنه أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت حلول الوعيد وما في تأخير نزوله من المصالح للدين . وأهمها مصلحة إمهال القوم حتى يدخل منهم كثير في الإسلام . والوجه أن تكون الجملة الأولى تمهيدا للثانية .
والعجل : السرعة . وخلق الإنسان منه استعارة لنمكن هذا الوصف من جبلة الإنسانية . شبهت شدة ملازمة الوصف بكون مادة لتكوين موصوفه لأن ضعف صفة الصبر في الإنسان من مقتضى التفكير في المحبة والكراهية . فإذا فكر العقل في شيء محبوب استعجل حصوله بداعي المحبة وإذا فكر في شيء مكروه استعجل إزالته بداعي الكراهية ولا تخلو أحوال الإنسان عن هذين فلا جرم كان الإنسان عجولا بالطبع فكأنه مخلوق من العجلة . ونحوه قوله تعالى ( وكان الإنسان عجولا ) وقوله تعالى ( إن الإنسان خلق هلوعا ) . ثم إن أفراد الناس متفاوتون في هذا الاستعجال على حسب تفاوتهم في غور النظر والكفر ولكنهم مع ذلك لا يخلون عنه . وأما من فسر العجل بالطين وزعم أنها كلمة حميرية فقد أبعد وما أسعد .
وجملة ( سأريكم آياتي ) هي المقصود من الاعتراض . وهي مستأنفة .
والمعنى : وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين وذلك بما حصل يوم بدر من النصر وهلك أئمة الشرك وما حصل بعده من أيام الإسلام التي كان النصر فيها عاقبة المسلمين .
A E
