والتعبير ب ( ذات حمل ) دون التعبير : بحامل لأنه الجاري في الاستعمال في الأكثر . فلا يقال : امرأة حامل بل يقال : ذات حمل قال تعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) مع ما في هذه الإضافة من التنبيه على شدة اتصال الحمل بالحامل فيدل على أن وضعها إياه لسبب مفظع .
والقول في حمله على الحقيقة أو على معنى الكناية كالقول في ( تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) .
والخطاب في ( ترى الناس ) لغير معين وهو كل من تتأتى منه الرؤية من الناس فهو مساو في المعنى للخطاب الذي في قوله ( يوم ترونها ) . وإنما أوثر الإفراد هنا للتفنن كراهية إعادة الجمع . وعدل عن فعل المضي إلى المضارع في قوله ( وترى ) لاستحضار الحالة والتعجيب منها كقوله ( فتثير سحابا ) وقوله ( ويصنع الفلك ) .
وقرأ الجمهور ( سكارى ) " بضم السين المهملة وبألف بعد الكاف " . ووصف الناس بذلك على طريقة التشبيه البليغ . وقوله بعده ( وما هم بسكارى ) قرينة على قصد التشبيه وليبنى عليه قوله بعده ( ولكن عذاب الله شديد ) .
وقرأه حمزة والكسائي ( سكرى ) بوزن عطشى في الموضعين . وسكارى وسكرى جمع سكران . وهو الذي اختل شعور عقله من أثر شرب الخمر وقياس جمعه سكارى . وأما سكرى فهو محمول على نوكى لما في السكر من اضطراب العقل . وله نظير وهو جمع كسلان على كسالى وكسلى .
وجملة ( وما هم بسكارى ) في موضع الحال من الناس .
و ( عذاب الله ) صادق بعذابه في الدنيا وهو عذاب الفزع والوجع وعذاب الرعب في الآخرة بالإحساس بلفح النار وزبن ملائكة العذاب .
وجملة ( وما هم بسكارى ) في موضع الحال من ( الناس ) .
( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد [ 3 ] ) عطف على جملة ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) أي الناس فريقان : فريق يمتثل الأمر فيتقي الله ويخشى عذابه وفريق يعرض عن ذلك ويعارضه بالجدل الباطل في شأن الله تعالى من وحدانيته وصفاته ورسالته . وهذا الفريق هم أئمة الشرك وزعماء الكفر لأنهم الذين يتصدون للمجادلة بما لهم من أغاليط وسفسطة وما لهم من فصاحة وتمويه .
والاقتصار على ذكرهم إيماء إلى أنهم لولا تضليلهم قومهم وصدهم إياهم عن متابعة الذين لاتبع عامة المشركين الإسلام لظهور حجته وقبولهم في الفطرة .
وقيل : أريد ب ( من يجادل في الله ) النضر بن الحارث أو غيره كما سيأتي فتكون ( من ) الموصولة صادقة على متعدد عامة لكل من تصدق عليه الصلة .
والمجادلة : المخاصمة والمحاجة . والظرفية مجازية أي يجادل جدلا واقعا في شأن الله . ووصف الجدل بأنه بغير علم أي جدلا ملتبسا بمغايرة العلم وغير العلم هو الجهل أي جدلا ناشئا عن سوء نظر وسوء تفكير فلا يعلم ما تقتضيه الألوهية من الصفات كالوحدانية والعلم وفعل ما يشاء .
واتباع الشيطان : الانقياد إلى وسوسته التي يجدها في نفسه والتي تلقاها بمعتاده والعمل بذلك دون تردد ولا عرض على نظر واستدلال .
وكلمة ( كل ) في قوله ( كل شيطان ) مستعملة في معنى الكثرة . كما سيأتي قريبا عند قوله تعالى ( وعلى كل ضامر ) في هذه السورة . وتقدم في تفسير قوله تعالى ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) في سورة البقرة .
والمريد : صفة مشبهة من مرد " بضم الراء " على عمل . إذا عتا فيه وبلغ الغاية التي تتجاوز ما يكون عليه أصحاب ذلك العمل . وكأنه محول من مرد بفتح الراء " بمعنى مرن " إلى ضم الراء للدلالة على أن الوصف صار له سجية فالمريد صفة مشبهة . أي العاتي في الشيطنة .
( كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير [ 4 ] ) جملة ( كتب عليه أنه من تولاه ) إلى آخرها صفة ثانية ل ( شيطان مريد ) فالضمير المجرور عائد إلى ( شيطان ) . وكذلك الضمائر في ( أنه من تولاه فأنه .
وأما الضميران البارزان في قوله ( يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) فعائدان إلى ( من ) الموصوله . أي يضل الشيطان متوليه عن الحق ويهدي متوليه إلى عذاب السعير .
واتفقت القراءات العشر على قراءة ( كتب ) " بضم الكاف " على أنه مبني للنائب . واتفقت أيضا على " فتح الهمزتين " من قوله تعالى ( أنه من تولاه فأنه يضله ) .
A E
