ودخول المشركين بادئ ذي بدء في هذا الخطاب أظهر من دخولهم في الخطاب السابق لأنهم الذين أنكروا البعث فالمقصود الاستدلال عليهم ولذلك قيل إن الخطاب هنا خاص بهم .
A E وجعل ريبهم في البعث مفروضا ب ( إن ) الشرطية مع أن ريبهم محقق للدلالة على أن المقام لما حف به من الأدلة المبطلة لريبهم ينزل منزلة مقام من لا يتحقق ريبه كما في قوله تعالى ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين ) .
والظرفية المفادة ب ( في ) مجازية . شبهت ملابسة الريب إياهم بإحاطة الظرف بالمظروف .
وجملة ( فإنا خلقناكم من تراب ) واقعة موقع جواب الشرط ولكنها لا يصلح لفظها لأن يكون جوابا لهذا الشرط بل هي دليل الجواب . والتقدير : فاعلموا أو فنعلمكم بأنه ممكن كما خلقناكم من تراب مثل الرفات الذي تصير إليه الأجساد بعد الموت أو التقدير : فانظروا في بدء خلقكم فإنا خلقناكم من تراب .
والذي خلق من تراب هو أصل النوع . وهو آدم " عليه السلام " وحواء ثم كونت في آدم وزوجه قوة التناسل . فصار الخلق من النطفة فلذلك عطفت ب ( ثم ) .
والنطفة : اسم لمني الرجل وهو بوزن فعلة بمعنى مفعول أي منطوف . والنطف : القطر والصب . والعلقة : القطعة من الدم الجامد اللين .
والمضغة : القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ مثله . وهي فعلة بمعنى مفعولة بتأويل : مقدار ممضوغه . و ( ثم ) التي عطف بها ( ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ) عاطفة مفردات فهي للتراخي الحقيقي .
و ( من ) المكررة أربع مرات هنا ابتدائية وتكريرها توكيد .
وكون الإنسان مخلوقا من النطفة لأنه قد تقرر في علم الطب أن في رحم المرأة مدة الحيض جزاءا هو مقر الأجرام التي أعدت لأن يتكون منها الجنين وهذا الجزء من الرحم يسمى في الاصطلاح الطبي ( المبيض ) " بفتح الميم وكسر الموحدة على وزن اسم المكان " لأنه مقر بيضات دقيقة هي حبيبات دقيقة جدا وهي من المرأة بمنزلة البيضة من الدجاجة أو بمنزلة حبوب بيض الحوت مودعة في كرة دقيقة كالغلاف لها يقال لها " الحويصلة " " بضم الحاء بصيغة تصغير حوصلة " تشتمل على سائل تسبح فيه البيضة فإذا حاضت المرأة ازدادت كمية ذلك السائل الذي تسبح فيه البيضة فأوجب ذلك انفجار غلاف الحويصلة فيأخذ ذلك السائل في الانحدار يحمل البيضة السابحة فيه إلى قناة دقيقة تسمة " بوق فلوبيوس " لشبهه بالبوق وأضيف إلى ( فلوبيوس ) اسم مكتشفه . وهو البرزخ بين المبيض والرحم فإذا نزل فيه ماء الرجل وهو النطفة بعد انتهاء سيلان دم الحيض لقحت فيه البيضة واختلطت أجزاؤها بأجزاء النطفة المستملة على جرثومات ذات حياة وتمكث مع البيضة متحركة مقدار سبعة أيام تكون البيضة في أثنائها تتطور بالتشكل يشبه تقسيم من أثر ضغط طبيعي وفي نهاية تلك المدة تصل البيضة إلى الرحم وهنالك تأخذ في التشكل . وبعد أربعين يوما تصير البيضة علقة في حجم نملة كبيرة طولها من 12 إلى 14 ميليمتر . ثم يزداد تشكلها فتصير قطعة صغيرة من لحم هي المسماة ( مضغة ) طولها ثلاثة سنتيمتر تلوح فيها تشكيلات الوجه والأنف خفية جدا كالخطوط . ثم يزداد التشكل يوما فيوما إلى أن يستكمل الجنين مدته فيندفع للخروج وهو الولادة .
فقوله تعالى ( مخلقة وغير مخلقة ) صفة ( مضغة ) . وذلك تطور من تطورات المضغة . إشارة إلى أطوار تشكل تلك المضغة فإنها في أول أمرها تكون غير مخلقة أي غير ظاهر فيها شكل الخلقة . ثم تكون مخلقة والمراد تشكيل الوجه ثم الأطراف ولذلك لم يذكر مثل هذين الوصفين عند ذكر النطفة والعلقة وإذ ليس لهما مثل هذين الوصفين بخلاف المضغة . وإذ قد جعلت المضغة من مبادئ الخلق تعين أن كلا الوصفين لازمان للمضغة . فلا يستقيم تفسير من فسر غير المخلقة بأنها التي لم يكمل خلقها فسقطت .
والتخلق : صيغة تدل على تكرير الفعل أي خلقا بعد خلق أي شكلا بعد شكل .
وقدم ذكر المخلقة على ذكر غير المخلقة خلاف الترتيب في الوجود لأن المخلقة أدخل في الاستدلال وذكر بعده غير المخلقة لأنه إكمال للدليل وتنبيه على أن تخليقها نشأ عن عدم . فكلا الحالين دليل على القدرة على الإنشاء وهو المقصود من الكلام .
ولذلك عقب بقوله تعالى ( لنبين لكم ) أي لنظهر لكم إذا تأملتم دليلا واضحا على إمكان الإحياء بعد الموت
