فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا وقول الأعشى : .
فدع ذا ولكن رب أرض متيهة ... قطعت بحرجوج إذا الليل أظلما وتقدم بيان نظيره عند قوله تعالى ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) في سورة ص .
وقوله ( عجبوا ) خبر مستعمل في الإنكار إنكارا لعجبهم البالغ حد الإحالة .
و ( عجبوا ) حصل لهم العجب بفتح الجيم وهو الأمر غير المألوف للشخص ( قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله ) فإن الاستفهام في ( أتعجبين ) إنكار وإنما تنكر إحالة ذلك لا كونه موجب تعجب . فالمعنى هنا : أنهم نفوا جواز أن يرسل الله إليهم بشرا مثلهم قال تعالى ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ) .
A E وضمير ( عجبوا ) عائد إلى غيره مذكور فمعاده معلوم من السياق أعني افتتاح السورة بحرف التهجي الذي قصد منه تعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن لأن عجزهم عن الإتيان بمثله في حال أنه مركب من حروف لغتهم يدلهم على أنه ليس بكلام بشر بل هو كلام أبدعته قدرة الله وأبلغه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على لسان الملك فإن المتحدين بالإعجاز مشهورون يعلمهم المسلمون وهم أيضا يعلمون أنهم المعنيون بالتحدي بالإعجاز . على أنه سيأتي ما يفسر الضمير بقوله ( فقال الكافرون ) .
وضمير ( منهم ) عائد إلى ما عاد إليه ضمير ( عجبوا ) . والمراد : أنه من نوعهم أي من بني الإنسان .
و ( أن جاءهم ) مجرور ب ( من ) المحذوفة مع ( أن ) أي عجبوا من مجيء منذر منهم أو عجبوا من ادعاء أن جاءهم منذر منهم .
وعبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف ( منذر ) وهو المخبر بشر سيكون للإيماء إلى أن عجبهم كان ناشئا عن صفتين في الرسول صلى الله عليه وسلم إحداهما أنه مخبر بعذاب يكون بعد الموت أي مخبر لا يصدقون بوقوعه وإنما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعذاب الآخرة بعد البعث كما قال تعالى ( إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) .
والثانية كونه من نوع البشر .
وفرع على التكذيب الحاصل في نفوسهم ذكر مقالتهم التي تفصح عنه وعن شبهتهم الباطلة بقوله ( فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) الآية .
وخص هذا بالعناية بالذكر لأنه أدخل عندهم في الاستبعاد وأحق بالإنكار فهو الذي غرهم فأحالوا أن يرسل الله إليهم أحدا من نوعهم ولذلك وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء بصفة ( منذر ) قبل وصفه بأنه ( منهم ) ليدل على أن ما أنذرهم به هو الباعث الأصلي لتكذيبهم إياه وأن كونه منهم إنما قوي الاستبعاد والتعجب .
ثم إن ذلك يتخلص منه إلى إبطال حجتهم وإثبات البعث وهو المقصود بقوله ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) إلى قوله ( كذلك الخروج ) .
فقد حصل في ضمن هاتين الفاصلتين خصوصيات كثيرة من البلاغة : منها إيجاز الحذف ومنها ما أفاده الإضراب من الاهتمام بأمر البعث ومنها الإيجاز البديع الحاصل من التعبير ب ( منذر ) ومنها إقحام وصفه بأنه ( منهم ) لأن لذلك مدخلا في تعجبهم ومنها الإظهار في مقام الإضمار على خلاف مقتضى الظاهر ومنها الإجمال المعقب بالتفصيل في قوله ( هذا شيء عجيب أإذا متنا ) الخ .
وعبر عنهم بالاسم الظاهر في ( فقال الكافرون ) دون : فقالوا لتوسيمهم فأن هذه المقالة من آثار الكفر وليكون فيه تفسير للضميرين السابقين .
والإشارة بقولهم ( هذا شيء عجيب ) إلى ما هو جار في مقام مقالتهم تلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم للإيمان بالرجع أي البعث وهو الذي بينته جملة ( أإذا متنا وكنا ترابا ) الخ .
والاستفهام مستعمل في التعجيب والإبطال يريدون تعجيب السامعين من ذلك تعجيب إحالة لئلا يؤمنوا به .
وجعلوا مناط التعجيب الزمان الذي أفادته ( إذا ) وما أضيف إليه أي زمن موتنا وكوننا ترابا .
والمستفهم عنه محذوف دل عليه ظرف ( إذا متنا وكنا ترابا ) والتقدير : أنرجع إلى الحياة في حين انعدام الحياة منا بالموت وحين تفتت الجسد وصيرورته ترابا وذلك عندهم أقصى الاستبعاد .
ومتعلق ( إذا ) هو المستفهم عنه المحذوف المقدر أي نرجع أو نعود إلى الحياة وهذه الجملة مستقلة بنفسها