ولا قائل من العقلاء بأن المعدوم يعاد بعينه وإنما المراد ما ذكرناه وما عداه مجازفة في التعبير .
وذكر الجلال الدواني في شرح العقيدة العضدية أن أبي بن خلف لما سمع ما في القرآن من الإعادة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبيده عظم قد رم ففتته بيده وقال : يا محمد أترى يحييني بعد أن أصير كهذا العظم ؟ فقل له النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم ويبعثك ويدخلك النار " . وفيه نزل قوله تعالى ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ) .
وعبر ب ( تنقص الأرض ) دون التعبير بالإعدام لأن للأجساد درجات من الاضمحلال تدخل تحت حقيقة النقص فقد يفنى بعض أجزاء الجسد ويبقى بعضه وقد يأتي الفناء على جميع أجزائه على أنه إذا صح أن عجب الذنب لا يفني كان فناء الأجساد نقصا لا انعداما .
A E وعطف على قوله ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) قوله ( وعندنا كتاب حفيظ ) عطف الأعم على الأخص وهو بمعنى تذييل لجملة ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) أي وعندنا علم بكل شيء علما ثابتا فتنكير ( كتاب ) للتعظيم وهو تعظيم التعميم أي عندنا كتاب كل شيء .
و ( حفيظ ) فعيل : إما بمعنى فاعل أي حافظ لما جعل لإحصائه من أسماء الذوات ومصائرها . وتعيين جميع الأرواح لذواتها التي كانت مودعة فيها بحيث لا يفوت واحد منها عن الملائكة الموكلين بالبعث وإعادة الأجساد وبث الأرواح فيها .
وإما بمعنى مفعول أي محفوظ ما فيه مما قد يعتري الكتب المألوفة من المحو والتغيير والزيادة والتشطيب ونحو ذلك .
والكتاب : المكتوب ويطلق على مجموع الصحائف .
ثم يجوز أن يكون الكتاب حقيقة بأن جعل الله كتبا وأودعها الى ملائكة يسجلون فيها الناس حين وفياتهم ومواضع أجسادهم ومقار أرواحهم وانتساب كل روح إلى جسدها المعين الذي كانت حالة فيه حال الحياة الدنيا صادقا بكتب عديدة لكل إنسان كتابه وتكون مثل صحائف الأعمال الذي جاء فيه قوله تعالى : ( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وقوله ( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) .
ويجوز أن يكون مجموع قوله ( وعندنا كتاب ) تمثيلا لعلم الله تعالى بحال علم من عنده كتاب حفيظ يعلم به جميع أعمال الناس .
والعندية في قوله ( وعندنا كتاب ) مستعارة للحياطة والحفظ من أن يتطرق إليه ما يغير ما فيه أو من يبطل ما عين له .
( بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج [ 5 ] ) إضراب ثان تابع للإضراب الذي في قوله ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) على طريقة تكرير الجملة في مقام التنديد والإبطال أو بدل من جملة ( بل عجبوا أن جاءهم منذر ) لأن ذلك العجب مشتمل على التكذيب وكلا الاعتبارين يقتضيان فصل هذه الجملة بدون عاطف .
والمقصد من هذه الجملة : أنهم أتوا بأفظع من إحالتهم البعث وذلك هو التكذيب بالحق .
والمراد بالحق هنا القرآن لأن فعل التكذيب إذا عدي بالباء عدي إلى الخبر وإذا عدي بنفسه كان لتكذيب المخبر .
و ( لما ) حرف توقيت فهي دالة على ربط حصول جوابها بوقت حصول شرطها فهي مؤذنة بمبادرة حصول الجواب عند حصول الشرط كقوله تعالى ( فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ) وقوله ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وقد مضيا في سورة البقرة . ومعنى ( جاءهم ) بلغهم وأعلموا به .
والمعنى : أنهم بادروا بالتكذيب دون تأمل ولا نظر فيما حواه من الحق بل كذبوا به من أول وهلة فكذبوا بتوحيد الله وهو أول حق جاء به القرآن ولذلك عقب بقوله ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ) إلى قوله ( وأحيينا به بلدة ميتا ) .
فالتكذيب بما جاء به القرآن يعم التكذيب بالبعث وغيره .
وفرع على الخبر المنتقل إليه بالإضراب وصف حالهم الناشئة عن المبادرة بالتكذيب قبل التأمل بأنها أمر مريج أحاط بهم وتجلجلوا فيه كما دل عليه حرف الظرفية .
و ( أمر ) اسم مبهم مثل شيء ولما وقع هنا بعد حرف ( في ) المستعمل في الظرفية المجازية تعين أن يكون المراد بالأمر الحال المتلبسون هم به تلبس المظروف بظرفه وهو تلبس المحوط بما أحاط به فاستعمال ( في ) استعارة تبعية
