مفعول لأجله للأفعال السابقة من قوله ( بنيناها وزيناها ) وقوله ( مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها ) الخ على أنه علة لها على نحو من طريقة التنازع أي ليكون ما ذكر من الأفعال ومعمولاتها تبصرة وذكرى أي جعلناه لغرض أن نبصر به ونذكر كل عبد منيب .
وحذف متعلق ( تبصرة وذكرى ) ليعم كل ما يصلح أن يتبصر في شأنه بدلائل خلق الأرض وما عليها وأهم ذلك فيهم هو التوحيد والبعث كما هو السياق تصريحا وتلويحا .
وإنما كانت التبصرة والذكرى علة للأفعال المذكورة لأن التبصرة والذكرى من جملة الحكم التي أوجد الله تلك المخلوقات لأجلها . وليس ذلك بمقتض انحصار حكمة خلقها في التبصرة والذكرى لأن أفعال الله تعالى لها حكم كثيرة علمنا بعضها وخفي علينا بعض .
A E والتبصرة : مصدر بصره . وأصل مصدره التبصير فحذفوا الياء التحتية من أثناء الكلمة وعوضوا عنها التاء الفوقية في أول الكلمة كما قالوا : جرب تجربة وفسر تفسرة وذلك يقل في المضاعف ويكثر في المهموز نحو جزأ تجزئة ووطأ توطئة . ويتعين في المعتل نحو : زكى تزكية وغطاه تغطية .
والتبصير : جعل المرء مبصرا وهو هنا مجاز في إدراك النفس إدراكا ظاهرا للأمر الذي كان خفيا عنها فكأنها لم تبصره ثم أبصرته .
والذكرى اسم مصدر ذكر إذا جعله يذكر ما نسيه . وأطلقت هنا على مراجعة النفس ما علمته ثم غفلت عنه .
و ( عبد ) بمعنى عبد الله أي مخلوق ولا يطلق إلا على الإنسان . وجمعه : عباد دون عبيد .
والمنيب : الراجع والمراد هنا الراجع إلى الحق بطاعة الله فإذا انحرف أو شغله شاغل ابتدر الرجوع إلى ما كان فيه من الاستقامة والامتثال فلا يفارقه حال الطاعة وإذا فارقه قليلا آب إليه وأناب .
وإطلاق المنيب على التائب والإنابة على التوبة من تفاريع هذا المعنى وتقدم عند قوله تعالى ( وخر راكعا وأناب ) في سورة ص .
وخص العبد المنيب بالتبصرة والذكرى وإن كان فيما ذكر من أحوال الأرض إفادة التبصرة والذكرى لكل أحد لأن العبد المنيب هو الذي ينتفع بذلك فكأنه هو المقصود من حكمة تلك الأفعال . وهذا تشريف للمؤمنين وتعريض بإهمال الكافرين التبصر والتذكر . ويحمل ( كل ) على حقيقة معناه من الإحاطة والشمول . فالمعنى : أن تلك الأفعال قصد منها التبصرة والذكرى لجميع العباد المتبعين للحق إذ لا يخلون من تبصر وتذكر بتلك الأفعال على تفاوت بينهم في ذلك .
( ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد [ 9 ] والنخل باسقات لها طلع نضيد [ 10 ] ) بعد التنظر والتذكير والتبصير في صنع السماوات وصنع الأرض وما فيهما من وقت نشأتهما نقل الكلام إلى التذكير بإيجاد آثار من آثار تلك المصنوعات تتجدد على مرور الدهر حية ثم تموت ثم تحيا دأبا وقد غير أسلوب الكلام لهذا الانتقال من أسلوب الاستفهام في قوله ( أفلم ينظروا إلى السماء ) إلى أسلوب الإخبار بقوله ( ونزلنا من السماء ماء مباركا ) إيذانا بتبديل المراد ليكون منه تخلص إلى الدلالة على إمكان البعث في قوله ( كذلك الخروج ) . فجملة ( ونزلنا ) عطف على جملة ( والأرض مددناها ) .
وقد ذكرت آثار من آثار السماء وآثار الأرض على طريقة النشر المرتب على وفق اللف .
والمبارك : اسم مفعول للذي جعلت فيه البركة أي جعل فيه خير كثير . وأفعال هذه المادة كثيرة التصرف ومتنوعة التعليق . والبركة : الخير النافع لما يتسبب عليه من إنبات الحبوب والأعناب والنخيل . وتقدم معنى المبارك عند قوله تعالى ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) في سورة آل عمران .
وفي هذا استدلال بتفصيل الإنبات الذي سبق إجماله في قوله ( وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) لما فيه من سوق العقول إلى التأمل في دقيق الصنع لذلك الإنبات وأن حصوله بهذا السبب وعلى ذلك التطور أعظم دلالة على حكمة الله وسعة علمه مما لو كان إنبات الأزواج بالطفرة إذ تكون حينئذ أسباب تكوينها خفية فإذا كان خلق السماوات وما فيها ومد الأرض وإلقاء الجبال فيها دلائل على عظيم القدرة الربانية لخفاء كيفيات تكوينها فإن ظهور كيفيات التكوين في إنزال الماء وحصول الإنبات والإثمار دلالة على عظيم علم الله تعالى .
والجنات : جمع جنة وهي ما شجر بالكرم وأشجار الفواكه والنخيل
