وقول ( ذلك ) إشارة إلى الموت بتنزيل قرب حصوله منزلة الحاصل المشاهد .
A E و ( تحيد ) تفر وتهرب وهو مستعار للكراهية أو لتجنب أسباب الموت . والخطاب للمقصود من الإنسان وبالمقصود الأول منه وهم المشركون لأنهم أشد كراهية للموت لأن حياتهم مادية محضة فهم يريدون طول الحياة قال تعالى ( ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) إذ لا أمل لهم في حياة أخرى ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها فأما المؤمنون فإن كراهتهم للموت المرتكزة في الجبلة بمقدار الإلف لا تبلغ بهم إلى حد الجزع منه . وفي الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " وتأويله بالمؤمن يحب لقاء الله للطمع في الثواب وبالكافر يكره لقاء الله . وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم فقال " إن المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعد الله له من خير فأحب لقاء الله " أي والكافر بعكسه وقد قال الله تعالى خطابا لليهود ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) .
وتقديم ( منه ) على ( تحيد ) للاهتمام بما منه الحياد وللرعاية على الفاصلة .
( ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد [ 21 ] ) عطف على ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) على تفسير الجمهور . فأما على تفسير الفخر فالجملة مستأنفة وصيغة المضي في قوله ( ونفخ ) مستعملة في معنى المضارع أي ينفخ في الصور فصيغ له المضي لتحقق وقوعه مثل قوله تعالى ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) والمشار إليه بذلك في قوله ( ذلك يوم الوعيد ) إذ أن ذلك الزمان الذي نفخ في الصور عنده هو يوم الوعيد .
والنفخ في الصور تقدم القول فيه عند قوله تعالى ( وله الملك يوم ينفخ في الصور ) في سورة الأنعام .
وجملة ( ذلك يوم الوعيد ) معترضة .
والإشارة في قوله ( ذلك يوم الوعيد ) راجعة إلى النفع المأخوذ من فعل ( ونفخ في الصور ) . والإخبار عن النفخ بأنه ( يوم الوعيد ) بتقدير مضاف أي ذلك حلول يوم الوعيد .
وإضافة ( يوم ) إلى ( الوعيد ) من إضافة الشيء إلى ما يقع فيه أي يوم حصول الوعيد الذي كانوا توعدوا به والاقتصار على ذكر الوعيد لما علمت من أن المقصود الأول من هذه الآية هم المشركون . وفي الكلام اكتفاء تقديره : ويوم الوعد .
وعطفت جملة ( جاءت كل نفس ) على جملة ( نفخ في الصور ) . والمراد ب ( كل نفس ) كل نفس من المتحدث عنهم وهم المشركون ويدل عليه أمور : أحدهما : السياق .
والثاني : قوله ( معها سائق ) لأن السائق يناسب إزجاء أهل الجرائم وأما المهديون إلى الكرامة فإنما يهديهم قائد يسير أمامهم قال تعالى ( كأنما يساقون إلى الموت ) .
والثالث : قوله بعده ( لقد كنت في غفلة من هذا ) .
والرابع : قوله بعده ( وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ) الآية .
وجملة ( معها سائق وشهيد ) بدل اشتمال من جملة ( جاءت كل نفس ) . و ( سائق ) مرفوع بالظرف الذي هو ( معها ) على رأي من أجازه أو مبتدأ خبره ( معها ) . ويجوز أن يكون جملة ( معها سائق وشهيد ) حالا من ( كل نفس ) . وعطف ( وشهيد ) على ( سائق ) يجوز أن يكون من عطف ذات على ذات فيكون المراد ملكان أحدهما يسوق النفس إلى المحشر والآخر يشهد عليها بما حوته صحائف أعمالها . ويجوز أن يكون من عطف الصفات مثل : .
" إلى الملك القرم وابن الهمام فهو ملك واحد .
والسائق الذي يجعل غيره أمامه يزجيه في السير ليكون بمرأى منه كيلا ينفلت وذلك من شأن المشي به إلى ما يسوء قال تعالى ( كأنما يساقون إلى الموت ) وقال ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ) وأما قوله ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ) فمشاكلة . وضد السوق : القود .
( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد [ 22 ] ) مقول قول محذوف دل على تعينه من الخطاب أي يقال هذا الكلام لكل نفس من نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء .
وجملة القول ومقوله في موضع الحال من ( كل نفس ) أو موقع الصفة وعلامات الخطاب في كلمات ( كنت وعنك وغطاءك وبصرك ) مفتوحة لتأويل النفس بالشخص أو بالإنسان ثم غلب فيه التذكير على التأنيث . وهذا الكلام صادر من جانب الله تعالى وهو شروع في ذكر الحساب