وإنما قال ( فأيدنا الذين آمنوا ) ولم يقل : فأيدناهم لأن التأييد كان لمجموع المؤمنين بعيسى لا لكل فرد منهم إذ قد قتل من أتباعه خلق كثير ومثل بهم والقوا إلى السباع في المشاهد العامة تفترسهم وكان ممن قتل من الحواريين الحواري الأكبر الذي سماه عيسى بطرس أي الصخرة في ثباته في الله .
ويزعمون أن جثته في الكنيسة العظمى في رومة المعروفة بكنيسة القديس بطرس والحكم على المجموع في مثل هذا شائع كما تقول : نصر الله المسلمين يوم بدر مع أن منهم من قتل . والمقصود نصر الدين .
والمقصود من هذا الخبر وعد المسلمين الذين أمروا أن يكونوا أنصار الله بأن الله مؤيدهم على عدوهم .
والعدو يطلق على الواحد والجمع قال تعالى ( وهم لكم عدو ) وتقدم عند قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) في سورة الممتحنة .
والظاهر هو : الغالب يقال : ظهر عليه أي غلبه وظهر به أي غلب بسببه أي بإعانته وأصل فعله مشتق من الاسم الجامد . وهو الظهر الذي هو العمود الوسط من جسد الإنسان والدواب لأن بالظهر قوة الحيوان . وهذا مثل فعل " عضد " مشتقا من العضد . و " أيد " مشتقا من اليد ومن تصاريفه ظاهر عليه واستظهر وظهير له قال تعالى ( والملائكة بعد ذلك ظهير ) . فمعنى ( ظاهرين ) أنهم منصورون لأن عاقبة النصر كانت لهم فتمكنوا من الحكم في اليهود الكافرين بعيسى ومزقوهم كل ممزق .
بسم الله الرحمن الرحيم .
سورة الجمعة .
سميت هذه السورة عند الصحابة وفي كتب السنة والتفاسير ( سورة الجمعة ) ولا يعرف لها اسم غير ذلك . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال : " كنا جلوسا عند النبي فأنزلت عليه سورة الجمعة " الحديث . وسيأتي عند تفسير قوله تعالى ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) .
ووجه تسميتها وقوه لفظ ( الجمعة ) فيها وهو اسم لليوم السابع من أيام الأسبوع في الإسلام .
A E وقال ثعلب : إن قريشا كانت تجتمع فيه عند قصي بدار الندوة . ولا يقتضي في ذلك أنهم سموا ذلك اليوم الجمعة .
ولم أر في كلام العرب قبل الإسلام ما يثبت أن اسم الجمعة أطلقوه على هذا اليوم .
وقد أطلق اسم ( الجمعة ) على الصلاة المشروعة فيه على حذف المضاف لكثرة الاستعمال . وفي حديث ابن عمر أن رسول الله A قال : " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " ووقع في كلام عائشة " كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي " الخ .
وفي كلام أنس " كنا نقيل بعد الجمعة " ومن كلام ابن عمر " كان رسول الله لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف " " أي من المسجد " . ومن كلام سهل بن سعد " ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة " . فيحتمل أن يكون لفظ " الجمعة " الذي في اسم هذه السورة معنيا به صلاة الجمعة لأن في هذه السورة أحكاما لصلاة الجمعة . ويحتمل أن يراد به يوم الجمعة لوقوع لفظ يوم الجمعة في السورة في آية صلاة الجمعة .
وهي مدنية بالاتفاق .
ويظهر أنها نزلت سنة ست وهي سنة خيبر فظاهر حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه آنفا " أن هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر لأن أبا هريرة أسلم يوم خيبر " .
وظاهره أنها نزلت دفعة واحدة فتكون قصية ورود العير من الشام هي سبب نزول السورة وسيأتي ذكر ذلك .
وكان فرض صلاة الجمعة متقدما على وقت نزول السورة فإن النبي A فرضها في خطبة خطب بها للناس وصلاها في أول يوم جمعة بعد يوم الهجرة في دار لبني سالم بن عوف . وثبت أن أهل المدينة صلوها قبل قدوم رسول الله A المدينة كما سيأتي . فكان فرضها ثابتا بالسنة قولا وفعلا . وما ذكر في هذه السورة من قوله ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) ورد مورد التأكيد لحضور صلاة الجمعة وترك البيع والتحذير من الانصراف عند الصلاة قبل تمامها كما سيأتي .
وقد عدت هذه السورة السادسة بعد المائة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد نزلت بعد سورة التحريم وقبل سورة التغابن .
وظاهر حديث أبي هريرة يقتضي أن هذه السورة أنزلت دفعة واحدة غير منجمة .
وعدت آيها إحدى عشرة آية باتفاق العادين من قراء الأمصار .
أغراضها .
أول أغراضها ما نزلت لأجله وهو التحذير من التخلف عن صلاة الجمعة والأمر بترك ما يشغل عنها في وقت أدائها . وقدم لذلك : التنويه بجلال الله تعالى