وهذا إرشاد من الله للمؤمنين ليكونوا على استعداد للموت في كل وقت فلا يؤخروا ما يهمهم عمله سؤال ثوابه فما من أحد يؤخر العمل الذي يسره أن يعمله وينال ثوابه إلا وهو معرض لأن يأتيه الموت عن قريب أو يفاجئه فعليه بالتحرز الشديد من هذا التفريط في كل وقت وحال فربما تعذر عليه التدارك بفجأة الفوات أو وهن المقدرة فإنه إن كان لم تطاوعه نفسه على العمل لصالح قبل الفوات فكيف يتمنى تأخير الأجل المحتوم .
( والله خبير بما تعملون [ 11 ] ) عطف على جملة ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ) . أو تذييل والواو اعتراضية .
ويفيد بناء الخبر على الجملة الاسمية تحقيق علم الله بما يعمله المؤمنون . ولما كان المؤمنون لا يخامرهم شك في ذلك كان التحقيق والتقوي راجعا إلى لازم الخبر وهو الوعد والوعيد والمقام هنا مقامهما لأن الإنفاق المأمور به منه الواجب المندوب . وفعلهما يستحق الوعد . وترك أولهما يستحق الوعيد .
وإيثار وصف ( خبير ) دون : عليم لما تؤذن به مادة ( خبير ) من العلم بالأمور الخفية ليفيد أنه تعالى عليم بما ظهر من الأعمال وما بطن مثل أعمال القلب التي هي العزائم والنيات وإيقاع هذه الجملة بعد ذكر ما يقطعه الموت من ازدياد الأعمال الصالحة إيماء إلى أن ما عسى أن يقطعه الموت من العزم على العمل إذا كان وقته المعين له شرعا ممتدا كالعمر للحج على المستطيع لمن لم يتوقع طرو مانع . وكالوقت المختار للصلوات أن حيلولة الموت دون إتمامه لا يرزئ المؤمن ثوابه لأن المؤمن إذا اعتاد حزبا أو عزم على عمل صالح ثم عرض له ما منعه منه أن الله يعطيه أجره .
ومن هذا القبيل : أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة كما في الحديث الصحيح .
وقرأ الجمهور ( بما تعملون ) بالمثناة الفوقية . وقرأه أبو بكر عن عاصم بالمثناة التحتية فيكون ضمير الغيبة عائدا إلى ( نفسا ) الواقع في سياق النفي لأنه عام فله حكم الجمع في المعنى .
بسم الله الرحمن الرحيم .
سورة التغابن .
سميت هذه السورة ( سورة التغابن ) ولا تعرف بغير هذا الاسم ولم ترد تسميتها بذلك في خبر مأثور عن رسول الله A سوى ما ذكره ابن عطية عن الثعلبي عن ابن عمر من أن النبي A قال : " ما من مولود إلا وفي تشابيك مكتوب خمس آيات فاتحة سورة التغابن " . والظاهر أن منتهى هذه الآيات قوله تعالى ( والله عليم بذات الصدور ) فتأمله . ورواه القرطبي عن ابن عمر ولم ينسبه إلى التعليق فلعله أخذه من تفسير ابن عطية .
ووجه التسمية وقوع لفظ ( التغابن ) فيها ولم يقع في غيرها من القرآن .
وهي مدنية في قول الجمهور وعن الضحاك هي مكية . وروى الترمذي عن عكرمة عن ابن عباس " أن تلك الآيات نزلت في رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا الهجرة فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتون رسول الله A " الحديث . وقال مجاهد : نزلت في شأن عوف الأشجعي كما سيأتي .
وهي معدودة السابعة والمائة في ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة الجمعة وقبل سورة الصف بناء على أنها مدنية .
A E وعدد آيها ثمان عشرة .
أغراضها .
واشتملت هذه السورة على التذكير بأن من في السماء ومن في الأرض يسبحون لله أي تنزهونه عن النقائض تسبيحا متجددا .
وأن الملك لله وحده فهو الحقيق بأفراده بالحمد لأنه خالق الناس كلهم فآمن بوحدانيته ناس وكفر ناس ولم يشكروا نعمة إذ خلقهم في أحسن صورة وتحذيرهم من إنكار رسالة محمد A .
وإنذارهم على ذلك ليعتبروا بما حل بالأمم الذين كذبوا رسلهم وجحدوا بيناتهم تكبرا أن يهتدوا بإرشاد بشر مثلهم .
والإعلام بأن الله عليم بالظاهر والخفي في السماوات والأرض فلا يجري أمر في العالم إلا على ما اقتضته حكمته .
وأنحى عليهم إنكار البعث وبين لهم عدم استحالته وهددهم بأنهم يلقون حين يبعثون جزاء أعمالهم فإن أرادوا النجاة فليؤمنوا بالله وحده وليصدقوا رسوله A والكتاب الذي جاء به ويؤمنوا بالبعث فإنهم إن آمنوا كفرت عنهم سيئاتهم وإلا فجزاؤهم النار خالدين فيها .
ثم تثبيت المؤمنين على ما يلاقونه من ضر أهل الكفر بهم فليتوكلوا على الله في أمورهم