وتخلصا من ذلك إلى تحذير الناس من كيد الشياطين والارتباق معهم في ربقة عذاب جهنم وأن في اتباع الرسول A نجاة من ذلك وفي تكذيبه الخسران وتنبيه المعاندين للرسول A إلى علم الله بما يحوكونه للرسول ظاهرا وخفية بأن علم الله محيط بمخلوقاته .
والتذكير بمنة خلق العالم الأرضي ودقة نظامه وملاءمته لحياة الناس وفيها سعيهم ومنها رزقهم .
والموعظة بأن الله قادر على إفساد ذلك النظام فيصبح الناس في كرب وعناء يتذكروا قيمة النعم بتصور زوالها .
وضرب لهم مثلا في لطفه تعالى بهم بلطفه بالطير في طيرانها .
وأيسهم من التوكل على نصرة الأصنام أو على أن ترزقهم رزقا .
وفظع لهم حالة الضلال التي ورطوا أنفسهم فيها .
ثم وبخ المشركين على كفرهم نعمة الله تعالى وعلى وقاحتهم في الاستخفاف بوعيده وأنه وشيك الوقوع بهم .
ووبخهم على استعجالهم موت النبي A ليستريحوا من دعوته .
وأوعدهم بأنهم سيعلمون ضلالهم حين لا ينفعهم العلم وأنذرهم بما قد يحل بهم من قحط وغيره .
( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير [ 1 ] ) افتتحت السورة بما يدل على منتهى كمال الله تعالى افتتاحا يؤذن بأن ما حوته يحوم حول تنزيه الله تعالى عن النقص الذي افتراه المشركون لما نسبوا إليه شركاء في الربوبية والتصرف معه والتعطيل لبعض مراده .
ففي هذا الافتتاح براعة الاستهلال كما تقدم في طالع سورة الفرقان .
وفعل ( تبارك ) يدل على المبالغة في وفرة الخير وهو في مقام الثناء يقتضي العموم بالقرينة أي يفيد أن كل وفرة من الكمال ثابتة لله تعالى بحيث لا يتخلف نوع منها عن أن يكون صفة له تعالى .
وصيغة تفاعل إذا أسندت إلى واحد تدل على تكلف فعل ما اشتقت منه نحو تطاول وتغابن وترد كناية عن قوة الفعل وشدته مثل : تواصل الحبل .
وهو مشتق من البركة وهي زيادة الخير ووفرته وتقدمت البركة عند قوله تعالى ( وبركات عليك ) في سورة هود .
وتقدم ( تبارك ) عند قوله تعالى ( تبارك الله رب العالمين ) في أول الأعراف .
وهذا الكلام يجوز أن يكون مرادا به مجرد الإخبار عن عظمة الله تعالى وكماله ويجوز أن يكون مع ذلك إنشاء ثناء على الله أثناه على نفسه وتعليما للناس كيف يثنون على الله ويحمدونه كما في ( الحمد لله رب العالمين ) : إما على وجه الكناية بالجملة عن إنشاء الثناء وإما باستعمال الصيغة المشتركة بين الإخبار والإنشاء في معنييها ولو صيغ بغير هذا الأسلوب لما احتمل هذين المعنيين وقد تقدم في قوله تعالى ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) .
وجعل المسند إليه اسم موصول للإيذان بأن معنى الصلة مما اشتهر به كما هو غالب أحوال الموصول فصارت الصلة مغنية عن الاسم العلم لاستوائهما في الاختصاص به إذ يعلم كل أحد أن الاختصاص بالملك الكامل المطلق ليس إلا لله .
وذكر ( الذي بيده الملك ) هنا نظير ذكر مثله عقب نظيره في قوله تعالى ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) إلى قوله ( الذي له ملك السماوات والأرض ) .
والباء في ( بيده ) يجوز أن تكون بمعنى " في " مثل الباء التي تدخل على أسماء الأمكنة نحو ( ولقد نصركم الله ببدر ) وقول أمرء القيس : بسقط اللوى فالظرفية هنا مجازية مستعملة في معنى إحاطة قدرته بحقيقة الملك الملك على هذا اسم للحالة التي يكون صاحبها ملكا .
والتعريف في ( الملك ) على هذا الوجه تعريف الجنس الذي يشمل جميع أفراد الجنس وهو الاستغراق فما يوجد من أفراده فرد إلا وهو مما في قدرة الله فهو يعطيه وهو يمنعه .
واليد على هذا الوجه استعارة للقدرة والتصرف كما في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) وقول العرب : ما لي بهذا الأمر يدان .
ويجوز أن تكون الباء للسببية ويكون ( الملك ) اسما فيأتي في معناه ما قرر في الوجه المتقدم .
وتقديم المسند وهو ( بيده ) على المسند إليه لإفادة الاختصاص أي الملك بيده لا بيد غيره .
A E وهو قصر ادعائي مبني على عدم الاعتداد بملك غيره ولا بما يتراءى من إعطاء الخلفاء والملوك الاصقاع للأمراء والسلاطين وولاة العهد لأن كل ذلك ملك غير تام لأنه لا يعم المملوكات كلها ولأنه معرض للزوال وملك الله هو الملك الحقيقي قال ( فتعالى الله الملك الحق )