وفرع على الخسف المتوقع المهدد به أن تمور الأرض تفريع الأثر على المؤثر لأن الخسف يحدث المور فإذا خسفت الأرض فاجأها المور لا محالة لكن نظم الكلام جرى على ما يناسب جعل التهديد بمنزلة حادث وقع فلذلك جيء بعده بالحرف الدال على المفاجأة لأن حق المفاجأة أن تكون حاصلة زمن الحال لا الاستقبال كما في مغني اللبيب فإذا أريد تحقيق حصول الفعل المستقبل نزل منزلة الواقع في الحال كقوله تعالى ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) وإذا أريد احتضار حالة فعل حصل فيما مضى نزل كذلك منزلة المشاهد في الحال كقوله تعالى ( وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ) فكان قوله ( فإذا هي تمور ) مؤذنا بتشبيه حالة الخسف المتوقع المهدد به بحالة خسف حصل بجامع التحقق كما قالوا في التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ورمز إليه بما هو من آثاره ويتفرع عنه فكان في الكلام تمثيلية مكنية .
والمور : الارتجاج والاضطراب وتقدم في قوله تعالى ( يوم تمور السماء مورا ) في سورة الطور .
( أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [ 17 ] ) ( أم ) لاضطراب الانتقال من غرض إلى غرض وهو انتقال من الاستفهام الإنكاري التعجيبي إلى آخر مثله باعتبار اختلاف الأثرين الصادرين عن مفعول الفعل المستفهم عنه اختلافا يوجب تفاوتا بين كنهي الفعلين وإن كانا متحدين في الغاية فالاستفهام الأول إنكار على أمنهم الذي في السماء من أن يفعل فعلا أرضيا .
والاستفهام الواقع من ( أم ) إنكار عليهم أن يأمنوا من أن يرسل عليهم من السماء حاصب وذلك أمكن لمن في السماء وأشد وقعا على أهل الأرض . والكلام على قوله ( من في السماء ) تقدم في الآية قبلها ما يغني عنه .
A E وتفريع جملة ( فستعلمون كيف نذير ) على الاستفهام الإنكاري كتفريع جملة ( فإذا هي تمور ) أي فحين يخسف بكم أو يرسل عليهم حاصب تعلمون كيف نذير وحرف التنفيس حقه الدخول على الأخبار التي ستقع في المستقبل وإرسال الحاصب غير مخبر بحصوله وإلا لما تخلف لأن خبر الله لا يتخلف وإنما هو تهديد وتحذير فإنهم ربما آمنوا وأقلعوا فسلموا من إرسال الحاصب عليهم ولكن لما أريد تحقيق هذا التهديد شبه بالأمر الذي وقع فكان تفريع صيغة الإخبار على هذا مؤذنا بتشبيه المهدد به بالأمر الواقع على طريقة التمثيلية الكنية وجملة ( فستعلمون ) قرينتها لأنها من روادف المشبه به كما تقدم .
و ( كيف نذير ) استفهام معلق فعل ( تعلمون ) عن العمل وهو استفهام للتهديد والتهويل والجملة مستأنفة .
وحذفت ياء المتكلم من ( نذيري ) تخفيفا وللرعي على الفاصلة .
والنذير مصدر بمعنى الإنذار مثل النكير بمعنى الإنكار .
وقدم التهديد بالخسف على التهديد بالحاصب لأن الخسف من أحوال الأرض والكلام على أحوالها أقرب هنا فسلك شبه طريق النشر المعكوس ولأن إرسال الحاصب عليهم جزاء على كفرهم بنعمة الله التي منها رزقهم في الأرض المشار إليه بقوله ( وكلوا من رزقه ) فإن منشأ الأرزاق الأرضية من غيوث السماء قال تعالى ( وفي السماء رزقكم ) .
( ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير [ 18 ] ) بعد أن وجه الله إليهم الخطاب تذكيرا واستدلالا وامتنانا وتهديدا وتهويلا ابتداء من قوله ( واسروا قولكم أو اجهروا به ) التفت عن خطابهم إلى الإخبار عنهم بحالة الغيبة تعريضا بالغضب عليهم بما أتوه من كل تكذيب الرسول A فكانوا جديرين بإبعادهم عز الحضور للخطاب فلذلك لم يقل " ولقد كذب الذين من قبلكم " ولم يقطع توجيه التذكير إليهم والوعيد لعلهم يتدبرون في أن الله لم يدخرهم نصحا .
فالجملة عطف على جملة ( أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ) لمناسبة أن مما عوقب به بعض الأمم المكذبين من خسف أو إرسال حجارة من السماء وهم قوم لوط ومنهم من خسف بهم مثل أصحاب الرس .
ولك أن تجعل الواو للحال أي كيف تأمنون ذلك عندما تكذبون الرسول في حال أنه قد كذب الذين من قبلكم فهل علمتم ما أصابهم على تكذيبهم الرسل
