وإسناد الضحك والاستبشار إلى الوجوه مجاز عقلي لأن الوجوه محل ظهور الضحك والاستبشار فهو من إسناد الفعل إلى مكانه ولك أن تجعل الوجوه كناية عن الذوات كقوله تعالى ( ويبقى وجه ربك ) .
وهذه وجوه أهل الجنة المطمئنين بالا المكرمين عرضا وحضورا .
والغبرة بفتحتين الغبار كله والمراد هنا إنها معفرة بالغبار إهانة من أثر الكبوات .
و ( ترهقها ) تغلب عليها وتعلوها .
والقترة : بفتحتين شبه دخان يغشى الوجه من الكرب والغم كذا قال الراغب وهو غير الغبرة كما تقتضيه الآية لئلا يكون من الإعادة وهي خلاف الأصل ولا داعي إليها . وسوى بينهما الجوهري وتبعه ابن منظور وصاحب القاموس .
وهذه وجوه أهل الكفر يعلم ذلك من سياق هذا التنويع وقد صرح بذلك بقوله ( أولئك هم الكفرة الفجرة ) زيادة في تشهير حالهم الفظيع للسامعين .
وجيء باسم الإشارة لزيادة الإيضاح تشهيرا بالحالة التي سببت لهم ذلك .
وضمير الفصل هنا الإفادة التقوى .
وأتبع وصف ( الكفرة ) بوصف ( الفجرة ) مع أن وصف الكفر أعظم من وصف الفجور لما في معنى الفجور من خساسة العمل فذكر وصفاهم الدالان عن مجموع فساد الاعتقاد وفساد العمل .
وذكر وصف ( الفجرة ) بدون عاطف يفيد أنهم جمعوا بين الكفر والفجور .
بسم الله الرحمن الرحيم .
سورة التكوير .
لم يثبت عن النبي A أنه سماها تسمية صريحة . وفي حديث الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله A " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت " . وليس هذا صريحا في التسمية لأن صفة يوم القيامة في جميع هذه السورة بل هو في الآيات الأول منها فتعين أن المعنى : فليقرأ هذه الآيات وعنونت في صحيح البخاري وفي جامع الترمذي ( سورة إذا الشمس كورت ) وكذلك عنونها الطبري .
وأكثر التفاسير يسمونها ( سورة التكوير ) وكذلك تسميتها في المصاحف وهو اختصار لمدلول ( كورت ) .
وتسمى ( سورة كورت ) تسمية بحكاية لفظ وقع فيها . ولم يعدها في الإتقان مع السور التي لها أكثر من اسم .
وهي مكية بالاتفاق .
وهي معدودة السابعة في عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة الفاتحة وقبل سورة الأعلى .
وعدد آيها تسع وعشرون .
أغراضها .
اشتملت على تحقيق الجزاء صريحا .
وعلى إثبات البعث وابتدىء بوصف الأهوال التي تتقدمه وأنتقل إلى وصف أهوال تقع عقبه .
وعلى التنويه بشأن القرآن الذي كذبوا به لأنه أوعدهم بالبعث زيادة لتحقيق وقوع البحث إذ رموا النبي A بالجنون والقرآن بأنه يأتيه به شيطان .
( إذا الشمس كورت [ 1 ] وإذا النجوم انكدرت [ 2 ] وإذا الجبال سيرت [ 3 ] وإذا العشار عطلت [ 4 ] وإذا الوحوش حشرت [ 5 ] وإذا البحار سجرت [ 6 ] وإذا النفوس زوجت [ 7 ] وإذا الموءودة سئلت [ 8 ] بأي ذنب قتلت [ 9 ] وإذا الصحف نشرت [ 10 ] وإذا السماء كشطت [ 11 ] وإذا الجحيم سعرت [ 12 ] وإذا الجنة أزلفت [ 13 ] علمت نفس ما أحضرت [ 14 ] ) الافتتاح ب ( إذا ) افتتاح متشوق لأن ( إذا ) ظرف يستدعي متعلقا ولأنه أيضا شرط يؤذن بذكر جواب بعده فإذا سمعه السامع ترقب ما سيأتي بعده فعند ما يسمعه يتمكن من نفسه كمال تمكن وخاصة بالإطناب بتكرير كلمة ( إذا ) .
وتعدد الجمل التي أضيف إليها اثنتي عشرة مرة فإعادة كلمة ( إذا ) بعد واو العطف في هذه الجمل المتعاطفة إطناب وهذا الإطناب اقتضاه قصد التهويل والتهويل من مقتضيات الإطناب والتكرير كما في قصيدة الحارث بن عباد البكري .
" قربا مربط النعامة مني الخ A E وفي إعادة ( إذا ) إشارة إلى أن مضمون كل جملة من هذه الجمل الثنتي عشرة مستقل بحصول مضمون جملة الجواب عند حصوله بقطع النظر عن تفاوت زمان حصول الشروط فإن زمن سؤال الموءودة ونشر الصحف أقرب لعلم النفوس بما أحضرت أقرب من زمان تكوير الشمس وما عطف عليه مما يحصل قبل البعث .
وقد ذكر في هذه الآيات اثنا عشر حدثا فستة منها تحصل في آخر الحياة الدنيوية وستة منها تحصل في الآخرة