فالمنافع في الميسر خاصة وعامة وهي دنيوية كلها والإثم الذي فيه هو ما يوقعه من العداوة والبغضاء ومن إضاعة الوقت والاعتياد بالكسل والبطالة واللهو والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التفقه في الدين وعن التجارة ونحوها مما به قوام المدنية وتلك آثام لها آثارها الضارة في الآخرة ولهذه الاعتبارات ألحق الفقهاء بالميسر كل لعب فيه قمار كالنرد وعن النبي A " أياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم " يريد النرد وعن على النرد والشطرنج من الميسر وعلى هذا جمهور الفقهاء ومالك وأبو حنيفة وقال الشافعي إذا خلا الشطرنج من الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن حراما وهو خارج عن الميسر لأن الميسر ما يوجب دفع المال وأخذه وهذا ليس كذلك وهو وجيه والمسألة مبسوطة في الفقه .
والناس مراد به العموم لاختلاف المنافع ولأنه لما وقع الإخبار بواسطة " في " المفيدة الظرفية لم يكن في الكلام ما يقتضي أن كل فرد من أفراد الناس ينتفع بالخمر والميسر بل الكلام يقتضي أن هاته المنافع موجودة في الخمر والميسر لمن شاء أن ينتفع كقوله تعالى ( فيه شفاء للناس ) .
A E وليس المراد بالناس طائفة لعدم صلوحية أل هنا للعهد ولو أريد طائفة لما صح إلا أن يقال ومنافع الشاربين والياسرين كما قال ( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) فإن قلت : ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع قلت إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء لأن الله جعل هذا الدين دينا دائما وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرعون لمختلف ومتجدد الحوادث فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) ونحو ذلك وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها والميسر قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة التحريم وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين عند فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيرا لهم بأن ربهم لا يريد إلا صلاحهم دون نكايتهم كقوله ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) وقوله ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) .
وهنالك أيضا فائدة أخرى وهي عذرهم عما سلف منهم حتى لا يستكينوا لهذا التحريم والتنديد على المفاسد كقوله ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ) .
( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون [ 219 ] في الدنيا والآخرة ) كان سؤالهم عن الخمر والميسر حاصلا مع سؤالهم ماذا ينفقون فعطفت الآية التي فيها جواب سؤالهم ماذا ينفقون على آية الجواب عن سؤال الخمر والميسر ولذلك خولف الأسلوب الذي سلف في الآيات المختلفة بجمل ( يسألونك ) بدون عطف فجيء بهذه معطوفة بالواو على التي قبلها .
ومناسبة التركيب أن النهي عن الخمر والميسر يتوقع منه تعطل إنفاق عظيم كان ينتفع به المحاويج فبينت لهم الآية وجه الإنفاق الحق روى ابن أبي حاتم أن السائل عن هذا معاذ ابن جبل وثعلبة بن غنمة وقيل هو رجوع إلى الجواب عن سؤال عمرو بن الجموح الذي قيل إنه المجاب عنه بقوله تعالى ( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ) إلخ وعليه فالجواب عن سؤاله موزع على الموضعين ليقع الجواب في كل مكان بما يناسبه .
ولإظهار ما يدفع توقعهم تعطيل نفع المحاويج وصلت هذه الآية بالتي قبلها بواو العطف