وقوله مرتان تثنية مرة والمرة في كلامهم الفعلة الواحدة من موصوفها أو مضافها فهي لا تقع إلا جارية على حدث بوصف ونحوه أو بإضافة ونحوها وتقع مفردة ومثناة ومجموعة فتدل على عدم تكرر الفعل أو تكرر فعله تكررا واحدا أو تكرره تكررا متعددا قال تعالى ( سنعذبهم مرتين ) وتقول العرب ( نهيتك غير مرة فلم تنته ) أي مرارا وليس لفظ المرة بمعنى الواحدة من الأشياء الأعيان ألا ترى أنك تقول : أعطيتك درهما مرتين إذا أعطيته درهما ثم درهما فلا يفهم أنك أعطيته درهمين مقترنين بخلاف قولك أعطيتك درهمين .
فقوله تعالى ( الطلاق مرتان ) يفيد أن الطلاق الرجعي شرع فيه حق التكرير إلى حد مرتين . مرة عقب مرة أخرى لا غير فلا يتوهم منه في فهم أهل اللسان أن المراد : الطلاق لا يقع إلا طلقتين مقترنتين لا أكثر ولا أقل ومن توهم ذلك فاحتاج إلى تأويل لدفعه فقد أبعد عن مجارى الاستعمال العربي ولقد أكثر جماعة من متعاطي التفسير الاحتمالات في هذه الآية والتفريع عليها مدفوعين بأفهام مولدة ثم طبقوها على طرائق جدلية في الاحتجاج لاختلاف المذاهب في إثبات الطلاق البدعي أو نفيه وهم في إرخائهم طول القول ناكبون عن معاني الاستعمال ومن المحققين من لم يفته المعنى ولم تف به عبارته كما وقع في الكشاف .
ويجوز أن يكون تعريف الطلاق تعريف العهد والمعهود هو ما يستفاد من قوله تعالى ( والمطلقات يتربصن ) إلى قوله ( وبعولتهن أحق بردهن ) فيكون كالعهد في تعريف الذكر في قوله تعالى ( وليس الذكر كالأنثى ) فإنه معهود مما استفيد من قوله ( إني نذرت لك ما في بطني محررا ) .
وقوله ( فإمساك بمعروف ) جملة مفرعة على جملة ( الطلاق مرتان ) فيكون الفاء للتعقيب في مجرد الذكر لا في وجود الحكم . وإمساك خبر مبتدإ محذوف تقديره فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح على طريقة ( فصبر جميل ) وإذ قد كان الإمساك والتسريح ممكنين عند كل مرة من مرتي الطلاق كان المعنى فإمساك أو تسريح في كل مرة من المرتين أي شأن الطلاق أن تكون كل مرة منه معقبة بإرجاع بمعروف أو ترك بإحسان أي دون ضرار في كلتا الحالتين .
A E وعليه فإمساك وتسريح مصدران مراد منهما الحقيقة والاسم دون إرادة نيابة عن الفعل والمعنى أن المطلق على رأس أمره فإن كان راغبا في امرأته فشأنه إمساكها أي مراجعتها وإن لم يكن راغبا فيها فشأنه ترك مراجعتها فتسرح والمقصود من هذه الجملة إدماج الوصاية بالإحسان في حال المراجعة وفي حال تركها فإن الله كتب الإحسان على كل شيء إبطالا لأفعال أهل الجاهلية ؛ إذ كانوا قد يراجعون المرأة بعد الطلاق ثم يطلقونها دواليك لتبقى زمنا طويلا في حالة ترك إضرار بها إذ لم يكن الطلاق عندهم منهيا إلى عدد لا يملك بعده المراجعة وفي هذا تمهيد لما يرد بعده من قوله ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) الآية .
ويجوز أن يكون إمساك وتسريح مصدرين جعلا بدلين من فعليهما على طريقة المفعول المطلق الآتي بدلا من فعله وأصلهما النصب ثم عدل عن النصب إلى الرفع لإفادة معنى الدوام كما عدل عن النصب إلى الرفع في قوله تعالى ( قال سلام ) وقد مضى أول سورة الفاتحة فيكون مفيدا معنى الأمر بالنيابة عن فعله ومفيدا الدوام بإيراد المصدرين مرفوعين والتقدير فأميكوا أو سرحوا .
فتبين أن الطلاق حدد بمرتين قابلة كل منهما للإمساك بعدها والتسريح بإحسان توسعة على الناس ليرتأوا بعد الطلاق ما يليق بحالهم وحال نسائهم فلعلهم تعرض لهم ندامة بعد ذوق الفراق ويحسوا ما قد يغفلون عن عواقبه حين إنشاء الطلاق عن غضب أو عن ملالة كما قال تعالى ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) وقوله ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا ) وليس ذلك ليتخذوه ذريعة للإضرار بالنساء كما كانوا يفعلون قبل الإسلام .
وقد ظهر من هذا أن المقصود من الجملة هو الإمساك أو التسريح المطلقين وأما تقييد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان فهو إدماج لوصية أخرى في كلتا الحالتين إدماجا للإرشاد في أثناء التشريع
