يريد تقدير الأديم قبل قطعه والقطع هو الفري ويستعمل مجازا مشهورا أو مشتركا في الإنشاء والإبداع على غير مثال ولا احتذاء وفي الإنشاء على مثال يبدع ويقدر قال تعالى ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود والخلق هنا مستعمل في حقيقة أي : أقدر لكم من الطين كهيئة الطير وليس المراد به خلق الحيوان بدليل قوله ( فأنفخ فيه ) .
وتقدم الكلام على لفظ الطير في قوله تعالى ( فخذ أربعة من الطير ) في سورة البقرة . والكاف في قوله ( كهيئة الطير ) بمعنى مثل وهي صفة لموصوف محذوف دل عليه أخلق أي شيئا مقدرا مثل هيئة الطير . وقرأ الجمهور ( الطير ) وهو اسم يقع على الجمع غالبا وقع يقع على الواحد . وقرأه أبو جعفر ( الطائر ) .
والضمير المجرور بفي من قوله ( فأنفخ فيه ) عائد إلى ذلك الموصوف المحذوف الذي دلت عليه الكاف .
وقرأ نافع وحده فيكون طائرا بالإفراد وقرأ الباقون ( فيكون طيرا ) بصيغة اسم الجمع فقراءه نافع على مراعاة انفراد الضمير وقراءة الباقين على اعتبار المعنى . جعل لنفسه التقدير وأسند لله تكوين الحياة فيه .
والهيئة : الصورة والكيفية أي أصور من الطين صورة كصور الطير . وقرأ الجميع كهيئة بتحتية ساكنة بعدها همزة مفتوحة .
وزاد قوله ( بإذن الله ) لإظهار العبودية ونفي توهم المشاركة في خلق الكائنات . والأكمة : الأعمى أو الذي ولد أعمى .
والأبرص : المصاب بداء البرص وهو جاء جلدي له مظاهر متنوعة منها الخفيف ومنها القوي وأعرضه بقع بيضاء شديدة البياض تظهر على الجلد فإن كانت غائرة في الجلد فهو البرص وإن كانت مساوية لسطح الجلد فهو البهق ثم تنتشر على الجلد فربما عمت الجلد كله حتى يصير أبيض وربما بقيت متميزة عن لون الجلد .
وأسبابه مجهولة ويأتي بالوراثة وهو غير معد وشوهد أن الإصابة به تكثر في الذين يقللون من النظافة أو يسكنون الأماكن القذرة . والعرب والعبرانيون واليونان يطلقون البرص على مرض آخر هو من مبادئ الجذام فكانوا يتشاءمون بالبرص إذا بدت أعراضه على واحد منهم . فإما العرب فكان ملوكهم لا يكلمون الأبرص إلا من وراء حجاب كما وقع في قصة الحارث بن حلزة الشاعر مع الملك عمرو بن هند . وأما العبرانيون فهم أشد في ذلك . وقد اهتمت التوراة بأحكام الأبرص وأطالت في بيانها وكررته مرارا ويظهر منها أنه مرض ينزل في الهواء ويلتصق بجدران المنازل وقد وصفه الوحي لموسى ليعلمه الكهنة من بني إسرائيل ويعلمهم طريقة علاجه ومن أحكامهم أن المصاب يعزل عن القوم ويجعل في محل خاص وأحكامه مفصلة في سفر اللاويين . ولهذا كان إعجاز المسيح بإبراء الأبرص أهم المعجزات فائدة عندهم دينا ودنيا .
وقد ذكر فقهاء الإسلام البرص في عيوب الزوجين الموجبة للخيار وفصلوا بين أنواعه التي توجب الخيار والتي لا توجبه ولم يضبطوا أوصافه واقتصروا على تحديد أجل برئه .
وإحياء الموتى معجزة للمسيح أيضا كنفخ الروح في الطير المصور من الطين فكان إذا أحيا ميتا كلمه ثم رجع ميتا وورد في الأناجيل أنه أحيا بنتا كانت ماتت فأحياها عقب موتها . ووقع في إنجيل متى في الإصحاح ( 17 ) أن عيسى صعد الجبل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه وأظهر لهم موسى وإيلياء يتكلمان معهم وكل ذلك بإذن الله له أن يفعل ذلك .
ومعنى قوله ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) أنه يخبرهم عن أحوالهم التي لا يطلع عليها أحد فيخبرهم بما أكلوه في بيوتهم وما عندهم مدخر فيها لتكون هاته العاطفات كلها من قبيل المعجزات بقرينة قوله أنبئكم لأن الإنباء يكون في الأمور الخفية .
وقوله ( إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) جعل هذه الأشياء كلها آيات تدعو إلى الإيمان به أي إن كنتم تريدون الإيمان بخلاف ما إذا كان دأبكم المكابرة . والخطاب موجه منه إلى بني إسرائيل فإنهم بادروا دعوته بالتكذيب والشتم .
وتعرض القرآن لذكر هذه المعجزات تعريض بالنصارى الذي جعلوا منها دليلا على ألوهية عيسى بعلة أن هذه الأعمال لا تدخل تحت مقدرة البشر فمن قدر عليها فهو الإله وهذا دليل سفسطائي أشار الله إلى كشفه بقوله ( بآية من ربكم ) وقوله ( بإذن الله ) مرتين . وقد روى أهل السير أن نصارى نجران استدلوا بهذه الأعمال لدى النبي A .
A E
