وقد شاع عند العلماء الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع وعصمته من الخطأ بناء على أن التعريف في المعروف والمنكر للاستغراق فإذا أجمعت الأمة على حكم لم يجز أن يكون ما أجمعوا عليه منكرا وتعين أن يكون معروفا لأن الطائفة المأمورة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضمنهم ولا يجوز سكوتها عن منكر يقع ولا عن معروف يترك وهذا الاستدلال إن كان على حجية الإجماع بمعنى الشرع المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة فهو استدلال صحيح لأن المعروف والمنكر في هذا النوع بديهي ضروري وان كان استدلالا على حجية الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد وهو الذي يقصده المستدلون بالآية فاستدلالهم بها عليه سفسطائي لأن المنكر لا يعتبر منكرا إلا بعد إثبات حكمه شرعا وطريق إثبات حكمه الإجماع فلو أجمعوا على منكر عند الله خطأ منهم لما كان منكرا حتى ينهي عنه طائفة منهم لأن اجتهادهم هو غاية وسعهم .
( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون [ 110 ] ) عطف على قوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) لأن ذلك التفضيل قد غمر أهل الكتاب من اليهود وغيرهم فنبههم هذا العطف إلى إمكان تحصيلهم على هذا الفضل مع ما فيه من التعريض بهم بأنهم مترددون في أتباع الإسلام فقد كان مخيريق مترددا زمانا ثم أسلم وكذلك وفد نجران ترددوا في أمر الإسلام .
وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى لكن المقصود الأول هنا هم اليهود لأنهم كانوا مختلطين بالمسلمين في المدينة وكان النبي A دعاهم إلى الإسلام وقصد بيت مدراسهم ولأنهم قد أسلم منهم نفر قليل وقال النبي A " لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم " .
A E ولم يذكر متعلق ( آمن ) هنا لأن المراد لو اتصفوا بالإيمان الذي هو لقب لدين الإسلام وهو الذي منه أطلقت صلة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة وهذا كقولهم أسلم وصبأ وأشرك ولحد دون ذكر متعلقات لهاته الأفعال لأن المراد أنه أتصف بهذه الصفات التي صارت أعلاما على أديان معروفة فالفعل نزل منزلة اللازم وأظهر منه : تهود تنصر وتزندق وتحنف والقرينة على هذا المعنى ظاهرة وهي جعل إيمان أهل الكتاب في شرط الامتناع مع أن أيمانهم بالله معروف لا ينكره أحد . ووقع في الكشاف أن المراد : لو آمنوا الإيمان الكامل وهو تكلف ظاهر وليس المقام مقامه . وأجمل وجه كون الإيمان خير لهم لتذهب نفوسهم كل مذهب في الرجاء والإشفاق . ولما أخبر عن أهل الكتاب بامتناع الإيمان منهم بمقتضى جعل إيمانهم في حيز شرط ( لو ) الامتناعية تعين لان المراد من بقي بوصف أهل الكتاب وهو وصف لا يبقي وصفهم به بعد أن يتدينوا بالإسلام وكان قد يتوهم أن وصف أهل الكتاب يشمل من كان قبل ذلك منهم ولو دخل في الإسلام وجيء بالاحتراس بقوله ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) أي منهم من آمن بالنبي محمد A فصدق عليه لقب المؤمن مثل عبد الله بن سلام وكان أسمه حصينا وهو من بني قينقاع وأخيه وعمته خالدة وسعيه أو سنعة بن غريض بن عاديا التيماوي وهو أبن أخي السموأل ابن عاديا وثعلبة بن سعيا وأسد بن سعيه القرضي وأسد بن عبيد القرضي ومخيريق من بني النضير أو من بني قينقاع ومثل أصحمة النجاشي فإنه آمن بقلبه وعوض عن إظهاره أعمال الإسلام نصره للمسلمين وحمايته لهم ببلده حتى ظهر دين الله فقبل الله منه ذلك ولذلك أخبر رسول الله A عنه بأنه كان مؤمنا وصلى عليه حين أوحى إليه بموته . ويحتمل إن يكون المعني من أهل الكتاب فريق متق في دينه فهو قريب من الإيمان بمحمد A وهؤلاء مثل من بقي مترددا في الإيمان من دون أن يتعرض لأذى المسلمين مثل النصارى من نجران ونصارى الحبشة ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم على الخلاف في إسلامه فإنه أوصى بماله لرسول الله A فالمراد بإيمانهم صدق الأيمان بالله وبديهم وفريق منهم فاسق عن دينه محرف له مناوأ لأهل الخير كما قال تعالى ( ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) مثل الذين سموا الشاة لرسول الله يوم خيبر والذين حاولوا أن يرموا عليه صخرة