وقال تعالى ( واشكروا لي ولا تكفرون ) وأصل الشكر والكفر أن يتعديا إلى واحد ويكون مفعولهما النعمة كما في البيت . وقد يجعل مفعولهما المنعم على التوسع في حذف حرف الجر لأن الأصل شكرت له وكفرت له .
قال النابغة : .
" شكرت لك النعمى وقد جمع بين الاستعمالين قوله تعالى ( واشكروا لي ولا تكفرون ) وقد عدي ( تكفروه ) إلى مفعولين : أحدهما نائب الفاعل لأن الفاعل ضمن معنى الحرمان . والضمير المنصوب عائد إلى خير بتأويل خير بجزاء فعل الخير على طريقة الاستخدام . وأطلق الكفر هنا على ترك جزاء فعل الخير تشبيها لفعل الخير بالنعمة . كأن فاعل الخير أنعم على الله تعالى بنعمته مثل قوله ( أن تقرضوا الله قرضا حسنا ) فحذف المشبه ورمز إليه بما هو من لوازمه العرفية . وهو الكفر . على أن في القرينة استعارة مصرحة مثل ( ينقضون عهد الله ) وقد امتن الله علينا إذ جعل طاعتنا إياه كنعمة عليه تعالى وجعل ثوابها شكرا وترك ثوابها كفرا فنفاه . وسمى نفسه الشكور .
وقد عدي الكفران هنا إلى النعمة على أصل تعديته .
( إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 116 ] ) استئناف ابتدائي للانتقال إلى ذكر وعيد المشركين بمناسبة ذكر وعد الذين آمنوا من أهل الكتاب .
وإنما عطف الأولاد هنا لأن الغناء في متعارف الناس يكون بالمال والولد فالمال يدفع به المرء عن نفسه في فداء أو نحوه والولد يدافعون عن أبيهم بالنصر وقد تقدم القول في مثله في طالعه هذه السورة .
A E وكرر حرف النفي مع المعطوف في قوله ( ولا أولادهم ) لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم لدفع توهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذب عن آبائهم .
ويتعلق ( من الله ) بفعل ( لن تغني ) على معنى ( من ) الابتدائية أي غناء يصدر من جانب الله بالعفو عن كفرهم .
وانتصب ( شيئا ) على المفعول المطلق لفعل ( لن تغني ) أي شيئا من غناء . وتنكير شيئا للتقليل .
وجملة ( وأولئك أصحاب النار ) عطف على جملة ( لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ) . وجيء بالجملة معطوفة على خلاف الغالب في أمثالها أن يكون بدون عطف لقصد أن تكون الجملة منصبا عليها التأكيد بحرف ( إن ) فيكمل لها من أدلة تحقيق مضمونها خمسة أدلة هي : التأكيد ب ( أن ) وموقع أسم الإشارة والأخبار عنهم بأنهم أصحاب النار وضمير الفصل ووصف خالدون .
( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون [ 117 ] ) استئناف بياني لأن قوله ( لن تغني عنهم أموالهم... الخ ) يثير سؤال سائل عن إنفاقهم الأموال في الخير من إغاثة الملهوف وإعطاء الديات في الصلح عن القتلى .
ضربت لأعمالهم المتعلقة بالأموال مثلا فشبه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهريا المخيب آخرها حين يحبطها الكفر بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته تشبه المعقول بالمحسوس . ولما كان التشبيه تمثيليا لم يتوخ فيه موالاة ما شبه به إنفاقهم لأداة التمثيل فقيل : كمثل ريح ولم يقل كمثل حرث ثوم .
والكلام على الريح تقدم عند قوله تعالى ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ) في سورة البقرة .
والصر : البرد الشديد المميت لكل زرع أو ورق يهب عليه فيتركه كالمحترق ولم يعرف في كلام العرب إطلاق الصر على الريح الشديد البرد وأنما الصر أسم البرد . وأما الصرصر فهو الريح الشديدة وقد تكون باردة . ومعنى الآية غني عن التأويل وجوز في الكشاف أن يكون الصر هنا اسما للريح الباردة وجعله مرادف الصرصر . وقد أقره الكاتبون عليه ولم يذكر هذا الإطلاق في الأساس ولا ذكره الراغب .
وفي قوله ( فيها صر ) إفادة شدة برد هذه الريح حتى كأن الصر مظروف فيها وهي تحمله إلى الحرث .
والحرث هنا مصدر بمعنى المفعول : أي محروث قوم أي أرضا محروثة والمراد أصابت زرع حرث . ونقدم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى ( والأنعام والحرث ) في أول السورة