أعقب الاعتذار الذي تقدم بقوله ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) بالتذكير بأن الله لا يزال مراعيا رفقه بهذه الأمة وإرادته بها اليسر دون العسر إشارة إلى أن هذا الدين بين حفظ المصالح ودرء المفاسد في أيسر كيفية وأرفقها فربما ألغت الشريعة بعض المفاسد إذا كان في الحمل على تركها مشقة أو تعطيل مصلحة كما ألغت مفاسد نكاح الإماء نظرا للمشقة على غير ذي الطول . والآيات الدالة على هذا المعنى بلغت مبلغ القطع كقوله ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) وفي الحديث الصحيح : ( إن هذا الذين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ) وكذلك كان يأمر أصحابه الذين يرسلهم إلى بث الدين ؛ فقال لمعاذ وأبي موسى : " يسرا ولا تعسرا " وقال " إنما بعثتم مبشرين لا منفرين " . وقال لمعاذ لما شكا بعض المصلين خلفه من تطويله " أفتان أنت " . فكان التيسير من أصول الشريعة الإسلامية وعنه تفرعت الرخص بنوعيها .
وقوله ( وخلق الإنسان ضعيفا ) تذييل وتوجيه للتخفيف وإظهار لمزية هذا الدين وأنه أليق الأديان بالناس في كل زمان ومكان ولذلك فما مضى من الأديان كان مراعى فيه حال دون حال ومن هذا المعنى قوله تعالى ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ) الآية في سورة الأنفال . وقد فسر بعضهم الضعف هنا بأنه الضعف من جهة النساء . قال طاووس " ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء " وليس مراده حصر معنى الآية فيه ولكنه مما روعي في الآية لا محالة لأن من الأحكام المتقدمة ما هو ترخيص في النكاح .
( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) A E استئناف من التشريع المقصود من هذه السورة . وعلامة الاستئناف افتتاحه ب ( يا أيها الذين آمنوا ) ومناسبته لما قبله أن أحكام المواريث والنكاح اشتملت على أوامر بإيتاء ذي الحق في المال حقه كقوله ( وآتوا اليتامى أموالهم ) وقوله ( فأتوهن أجورهن فريضة ) وقوله ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ) الآية فانتقل من ذلك إلى تشريع عام في الأموال والأنفس .
وقد تقدم أن الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعا تاما لا يعود معه إلى الغير فأكل الأموال هو الاستيلاء عليها نبيه عدم إرجاعها لأربابها وغالب هذا المعنى أن يكون استيلاء ظلم وهو مجاز صار كالحقيقة . وقد يطلق على الانتفاع المأذون فيه كقوله تعالى ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) وقوله ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) ولذلك غلب تقييد المنهي عنه من ذلك بقيد ( بالباطل ) ونحوه .
والضمير المرفوع ب ( تأكلوا ) والضمير المضاف إليه أموال : راجعان إلى ( الذين آمنوا ) وظاهر أن المرء لا ينهي عن أكل مال نفسه ولا يسمى انتفاعه بماله أكلا فالمعنى : لا يأكل بعضهم مال بعض . والباطل ضد الحق وهو ما لم يشرعه الله ولا كان عن إذن ربه والباء فيه للملابسة